شبح الفتنة يطارد “لبنان الكبير”

صدى وادي التيم – أمن وقضاء/
يقف لبنان الرسمي اليوم أمام كابوس جيوسياسي لم يشهد له مثيلاً منذ نكبة 1948 أو اجتياح 1982. الهواجس التي تسيطر على السراي الحكومي وأروقة ساحة النجمة تتجاوز فكرة “العدوان العابر” لتستقر عند مخافة العودة إلى ما قبل عام 2000، ولكن بنسخة محدثة وأكثر دموية وتوسعية في عام 2026. إنها خشية من “قضم جراحي” للجغرافيا اللبنانية، يُفقد الدولة كيلومترات استراتيجية من مساحتها السيادية الـ 10452 كلم²، ويحول الحزام الحدودي إلى “أرض محروقة” غير قابلة للحياة، تمهيداً لتحويلها إلى نسخة طبق الأصل عن “الجولان السوري المحتل”.
تبدي مصادر نيابية عبر “ليبانون فايلز” قلقاً بالغاً من “الديناميكية الميدانية” التي يعتمدها الجيش الإسرائيلي جنوب نهر الليطاني. فالمشهد هناك لم يعد “اشتباكاً عسكرياً” تقليدياً، بل تحول إلى عملية “مسح طوبوغرافي” مدمرة. تعمد القوات الإسرائيلية إلى تفجير قرى بكاملها، وتدمير النسيج العمراني من جذوره. هذا التدمير الممنهج يهدف بوضوح إلى جعل “حق العودة” للنازحين مجرد “وهم ديموغرافي”، فالعائد لن يجد منزلاً، ولا مدرسة، ولا بنية تحتية، بل سيجد “منطقة عازلة”.
الخطورة تكمن في أن إسرائيل، بدأت بالفعل في “تثبيت نقاط ارتكاز” داخل الأراضي اللبنانية التي توغلت فيها، مما يعزز فرضية الاحتفاظ بالأرض تحت ذريعة “الحزام الأمني الدائم”. هذا السيناريو يعني عملياً أن لبنان قد يستيقظ على واقع مرير: “شريط حدودي جديد” محتل بصفة “واقع مفروض”، مما يقلص المساحة الجغرافية للدولة ويضع سيادتها في مهب الريح الدولية.
في المقابل، تأتي قراءة “حزب الله” لتضع سداً منيعاً أمام هذه التكهنات. ففي إطلالته الأخيرة، رسم عضو المكتب السياسي في الحزب الحاج وفيق صفا معالم “المواجهة الوجودية”، مؤكداً أن الحزب لم يُستدرج ولم يُهزم، بل هو في طور إنشاء “معادلة ردع” جديدة تمنع العدو من استنساخ تجربة الجولان.
يشير صفا بوضوح إلى أن “القدرات العسكرية” للحزب، رغم الضربات القاسية، لا تزال تمتلك زمام المبادرة عبر منظومات صاروخية ومسيرات قادرة على إيلام العمق الإسرائيلي، ما يجعل بقاء الجيش الإسرائيلي في الأرض اللبنانية “نزيفاً مستمراً” لا احتلالاً مريحاً. التحليل المستنبط من كلام صفا يضعنا أمام مواجهة بين إرادتين: إرادة إسرائيلية تريد “تثبيت الأرض” كجائزة ترضية لجمهور الشمال، وإرادة حزب الله التي تعتبر أن “تحويل التهديد إلى فرصة” يمر عبر استنزاف القوات الغازية وجعل تكلفة الاحتلال أغلى من تكلفة الانسحاب.
بعيداً عن الواقع الميداني الجنوبي، يبرز “الخطر الكامن” في الداخل اللبناني. الدولة اللبنانية تخشى، وبصوت مرتفع، من أن يؤدي العبء الديموغرافي للنازحين إلى “صدام اجتماعي”. فمع قراءة البعض لمعادلة بقاء اسرائيل في لجنوب تتضاءل آمال العودة السريعة نتيجة تدمير القرى، فيصبح “دمج النازحين” في البيئات المضيفة أمراً واقعاً وطويل الأمد.
تتخوف المصادر الأمنية من أن “الاحتقان النفسي والسياسي” المرتفع قد يحول أي إشكال فردي في شوارع بيروت إلى نزاع طائفي مفتوح. “شبح 7 أيار” لا يزال حاضراً في الذاكرة اللبنانية، وثمة خشية من أن تؤدي لغة “التخوين” و”التحريض” المتبادلة إلى انفجار الشارع. النازح الذي فقد بيته يشعر بالغدر والجرح، والبيئة المضيفة تشعر بالقلق من تغيير “توازنات المنطقة”، وهذا التماس الحاد هو ما تسعى “غرف الفتنة” لاستغلاله.
الدولة اللبنانية تدرك أن السلم الأهلي بات “رهينة” للتطورات الميدانية، فإذا فشلت الدبلوماسية في فرض انسحاب إسرائيلي كامل وتأمين عودة كريمة للنازحين، فإن الداخل اللبناني سيكون أمام “ساعة صفر” قاسية قد تطيح بكل مقومات الاستقرار المتبقية، فإسرائيل تجهز لدفعة جديدة من الضربات التوسعية التي قد تطال مناطق ومرافق “مفاجئة”، فيما لبنان الرسمي يحاول التشبث بما تبقى من الـ 10452 كلم². إن “الجولنة” ليست مجرد تخوف، بل هي استراتيجية إسرائيلية معلنة لمواجهة “مشروع المقاومة”.
يبقى الرهان الأخير على قدرة الميدان أولاً، وعلى حكمة القيادات اللبنانية ثانياً في منع انزلاق الشارع نحو “المحرقة الداخلية”. فخسارة الأرض في الجنوب مؤلمة، لكن خسارة “الوطن” في شوارع بيروت ستكون الضربة القاضية التي لا قيام بعدها لـ “لبنان الكبير”



