تحييد قرى جنوبًا: إسرائيل ترسم خريطة أمنية جديدة

 

صدى وادي التيم – أمن وقضاء/

تفتح الاتصالات التي جرت بين مسؤولين إسرائيليين والسلطات المحلية في بلدات حدودية جنوبية باباً لتحليل أعمق لطبيعة المقاربة الجديدة التي تعتمدها إسرائيل في الحرب القائمة. ويعكس هذا النهج محاولة لإعادة صياغة المشهد الأمني في الجنوب عبر مقاربة تقوم على التمييز بين القرى والمناطق وفق موقعها من الصراع.
يقوم جوهر هذه المقاربة على فكرة تحييد بعض البلدات الحدودية مقابل عدم استهدافها. وفي هذا السياق، يبرز تركيز واضح على القرى ذات الغالبية المسيحية والدرزية، وهي قرى عُرفت تاريخياً بمحاولتها تجنّب الانخراط المباشر في الصراعات المُسلّحة التي شهدها الجنوب. بالنسبة لإسرائيل، يشكّل هذا الواقع الاجتماعي فرصة لمحاولة تقليص المساحة الجغرافية التي يمكن أن يستخدمها حزب الله في عملياته العسكرية قرب الحدود.

من الناحية الاستراتيجية، تسعى إسرائيل إلى خلق ما يمكن تسميته حزاماً مدنياً محايداً على أجزاء من الحدود، يقوم على شبكة من القرى التي لا تحتضن بنية عسكرية للحزب، وبالتالي تبقى خارج دائرة الاستهداف العسكري المباشر. تتيح هذه المقاربة، إذا نجحت، لإسرائيل بحصر المواجهة في نطاقات جغرافية محددة بدل امتدادها على طول الشريط الحدودي.
لا يخلو هذا التوجه من أبعاد سياسية حساسة داخلية. فالتواصل المباشر مع سلطات بلدية أو قيادات محلية يطرح إشكالية تتعلق بتجاوز مؤسسات الدولة اللبنانية، ويفتح الباب أمام ترتيبات أمنية محلية غير معلنة قد تُفسَّر على أنها محاولة لإقامة معادلات جديدة خارج الإطار الرسمي.
إضافة إلى ذلك، قد يخلق تمييز بعض القرى عن غيرها في الحرب واقعاً اجتماعياً وسياسياً مُعقّداً. فإذا بدت بعض المناطق محيّدة عن القتال فيما تبقى مناطق أخرى في قلب المواجهة، فإن ذلك قد يعمّق الانقسام الداخلي ويعيد إحياء حساسيات تاريخية مرتبطة بدور الجنوب في الصراع مع إسرائيل.
يكشف ما تُعدّ له إسرائيل أن المواجهة على الحدود اللبنانية – الإسرائيلية لم تعد تقتصر على بعدها العسكري بين إسرائيل وحزب الله، بل باتت أيضاً ساحة لمحاولات إعادة رسم التوازنات المحلية داخل الجنوب نفسه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!