وثيقة خطيرة: عودة الولايات المتحدة إلى أميركا… وترك العالم يعيد ترتيب نفسه

صدى وادي التيم – من الصحافة العالمية/
اسمعوا واقرأوا وافهموا
تحليل أولي لوثيقة الأمن القومي الأميركي الجديدة (NSS 2025)
عودة الولايات المتحدة إلى أميركا… وترك العالم يعيد ترتيب نفسه
تمثّل وثيقة الأمن القومي الأميركي لعام 2025 نقطة تحوّل كبرى في الاستراتيجية الدولية للولايات المتحدة، لأنها ببساطة أول وثيقة أميركية تعترف رسميًا بأن مرحلة التفوّق الأحادي (Unipolarity) قد انتهت، وأن واشنطن بصدد العودة إلى مجالها الطبيعي:
حماية الداخل الأميركي، وترتيب نصف الكرة الغربي، وإعادة بناء الصناعة الوطنية.
هذه القراءة ليست مجازية، بل مبنية على ترتيب الأولويات الصريح في الوثيقة:
1. الدفاع عن الوطن Homeland Defense
2. تعزيز النفوذ داخل الأميركيتان
3. إعادة التصنيع والنهضة الصناعية في الداخل الأميركي
4. ثم فقط يأتي المحيط الهندي – الهادئ (Indo-Pacific)
أما أوروبا والشرق الأوسط فلا يظهران إلا كملحقات هامشية، لا كمراكز اهتمام.
إنه ببساطة:
اعادة ا
اعادة تموضع محسوب، وليس هزيمة.
انتهاء مرحلة الأمن المجاني للحلفاء
أخطر ما في الوثيقة هو إعلان استراتيجية كبرى تعرف في نظريات العلاقات الدولية باسم Buck-Passing:
أي تحميل القوى الإقليمية تكلفة الدفاع عن نفسها بدل أن تتحمل واشنطن العبء كما فعلت منذ 1945.
بعبارة مباشرة:
على أوروبا الغربية أن تدافع عن نفسها.
وعلى اليابان أن تدافع عن شرق آسيا.
وعلى الشرق الأوسط أن يدبّر أمره بنفسه.
هذه هي الحجّة التي لطالما ردّدتها موسكو وبكين: أن أميركا تعبت من إدارة العالم.
الصين: من التهديد الأكبر إلى منافس اقتصادي
هذه أكبر مفاجآت الوثيقة.
فبعد أن كانت الصين توصف بوصف التهديد العسكري الأكبر و pacing threat، جرى تخفيضها الآن إلى Economic Competitor، مع تعبير صريح بأن مواجهة الصين العسكرية غير مضمونة ولا حتمية، وأن واشنطن لم تعد راغبة أو قادرة على حماية السلسلة الأولى من الجزر بمفردها.
الرسالة إلى طوكيو واضحة:
إذا أردتم صَدّ الصين، فعليكم أن تقوموا بمعظم العمل.
وهذا يفسر تحوّل اليابان السريع نحو إعادة التسلّح وتعديل العقيدة العسكرية.
أوروبا: خروج تدريجي من باكس أمريكانا
الوثيقة تجاهلت أوكرانيا تقريبًا، واكتفت بجمل روتينية.
هذا اعتراف بأن الصراع الأوروبي – الروسي أصبح مسؤولية أوروبية، وأن الولايات المتحدة لن تقاتل روسيا مباشرة.
أوروبا أمام اختبار وجودي:
إما أن تتحول إلى قوة مستقلة،
وإما أن تدخل مرحلة طويلة من الفوضى الأمنية.
الشرق الأوسط: الغائب الأكبر
الشرق الأوسط ظهر في الوثيقة كمنطقة عليها أن تدير نزاعاتها بنفسها، وأن دور واشنطن سيقتصر على:
منع انتشار نووي غير منضبط
حماية الملاحة عند الضرورة القصوى
دعم الحلفاء إذا دفعوا الثمن كاملاً
بعبارة أوضح:
أميركا لم تعد تريد لعب دور الشرطي الإقليمي.
وهذا يخلق فراغًا جيوسياسيًا سيملأه حتماً لاعبون آخرون:
تركيا، إيران، إسرائيل، وروسيا.
ماذا يعني هذا للبنان؟
لبنان في قلب منطقة تتراجع فيها المظلة الأميركية، وهذا يحمل ثلاث نتائج خطيرة:
1. الفراغ الاستراتيجي ستملأه تركيا
مع انشغال إيران بجبهاتها الداخلية والإقليمية،
وإنسحاب أميركا،
ترى تركيا نفسها الوريث الطبيعي للمشرق عبر سوريا ولبنان.
2. لا حماية أميركية مجانية بعد اليوم
الوثيقة تطلب من الشركاء أن يدفعوا ثمن أمنهم.
من دون إعادة بناء الدولة اللبنانية والانخراط الواضح في محور مستقر،
ستُترك البلاد لمعادلات النفوذ الإقليمي.
3. الهروب من الاستحقاقات لم يعد خيارًا
لبنان لم يعد يستطيع التذاكي أو اللعب على الحبال.
في نظام عالمي جديد، الدول الصغيرة إما تلتحق بمحور واضح،
أو تبتلعها قوى أكبر.
خلاصة تحليلية
وثيقة NSS 2025 هي إعلان نهاية حقبة:
لا هيمنة أميركية على العالم
لا حماية مجانية للحلفاء
لا التزام ثابت بالشرق الأوسط
لا نية لخوض حروب كبرى
إنها ليست وثيقة تراجع، بل وثيقة إعادة تموضع.
والدول التي تفشل في قراءة هذه اللحظة—خصوصًا لبنان—ستجد نفسها داخل فراغ تملأه قوى إقليمية أكثر قسوة وأشدّ جشعًا.
د.بيتر جرمانوس

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!