بهجت سعيد ..القيدوم الشّامي الّذي خطفت بيروت قلبه، وسكنت الشّام روحه…

صدى وادي التيم – لبنانيات /

هو الرّجل الّذي خطفت بيروت قلبه، وسكنت الشّام روحه، وتكفّلت فلسطين بتعاسته، وسكن العراق وجدانه، على حدّ تعبيره، هو المثقّف المُكافح المؤمن بقيم النّهضة القوميّة الاجتماعيّة من منطلقاتها الوطنيّة الجامعة بإرادة الحقّ، وعقلانيّة المنطق، وفضيلة المناقب، بعشقه للثقافة الّتي أخذت الحيّز الأكبر من كفاحه المبني على جهد حثيث للوصول، هو الصحافي المتميّز فكرًا وأسلوبًا، الأستاذ بهجت سعيد؛ الّذي يسرنا أن يكون ضيفنا في فقرة دردشة ثقافيّة لنبحر معه في محطات شغفه المعرفيّ، الموثّقة ببصمة شاب حالم بواقع ينفتح على سياق المعنى بكلّ تجلياته.
1-نبدأ من دراستك للصحافة، وأنت الحائز على شهادة الماجستير في الإعلام، لتخبرنا عن هذه الرّحلة الّتي نعلم أنها مستمرة بخطواتك الثابتة نحو الدّكتوراه
*** الصّحافة هي مقياس ارتقاء كلّ أمّة، وصورة أخلاقها ومظهر شعورها وعنوان مجدها، فهي المرآة الّتي ترى بها الأمّة نفسها، وتنعكس عنها صورتها، ويتجلّى فيها تمدّنها كما هو، لا كما يرسم الوهم أو يصوره الخيال.
من هذا المنطلق، ولأنّ في بلادنا وشعبنا كلّ حقٍّ وخيرٍ وجمال، وقع اختياري على الصّحافة، لعلّي أُفلح أن أعكس حقيقة شعبي وبلادي، فالصّحافة هي حالةٌ مصغّرةٌ عن الشّعب والأمصار، هي لسان حاله ومحطّ رحاله ومعقد آماله ومهبط وحي رجاله ونسائه.

2-ماذا عن اللقب الّذي يرافقك وتحبّه (القيدوم الشّامي)؟
*** كان هذا اللّقب للأمانة وليد مبارياتٍ رياضيّة في نادي بلدتي حاصبيّا، أطلق عليّ كلاعب كرة قدم آنذاك، ليقترن لاحقًا بالشّامي، تيمنًا بمدى عشقي لدمشق وكثرة زياراتي لها، ونظرًا للمكانة العميقة الّتي تحتلّها حارات الشّام القديمة في وجداني.

3-كيف تصف مسيرتك المهنيّة ولا سيّما في جريدة الأخبار؟
*** الصّحافة هي مهنة المتاعب، مهنة العابرين من بين سطور المعاناة نحو تكريس سلطة الواقع، فقد آثرت أن أُكثّف عملي في ما يتعلّق بمسائل المجتمع ولا سيّما البيئات الريفيّة والمحرومة منها، إيمانًا منّي بضرورة تكريس جهد وطني أكبر في هذه المناطق، وإيلائها اهتمامًا أكبر.

4-نعلم أنّ الشباب اليوم في بلد مثل لبنان في مرحلة قلق وتردّد، فما النّصيحة الّتي تتوجّه بها إليهم؟
*** تعلّموا، تسلّحوا بالمعرفة والثّقافة النّوعيّة، حبّوا بلادكم ففيها الارتقاء، اِنتموا إلى المجتمع والمعرفة، فالمجتمع معرفة والمعرفة قوّة، آمنوا بأنّ عدم التّخطيط للنجاح هو تخطيطٌ تلقائيٌّ للفشل، خوضوا تجاربكم الخاصّة الّتي تحمل بصمتكم وما تؤمنون به، لا تخافوا الصّراع من أجل أهدافكم، بل خافوا أن تفشلوا في بلوغها، وعند بلوغها اِبحثوا عن أهداف أخرى وقمم أخرى واذهبوا وابلغوها، فبالإيمان والعمل تقومون، وبالإيمان تنتصرون على كلّ الصّعاب.

5-أنت الصّحافيّ الّذي يجمع بين عمله الإعلامي والعمل التّعليميّ، فماذا تقول عن هذه التّجربة؟
*** المعلّم هو جندي خطّ الهجوم اﻷوّل الّذي عليه أن يدخل صُلب المعركة ويُحارب ﻹنقاذ نفوس اﻷحداث من العقائد الغريبة أو المتأخّرة، ويُرسي قواعد بناء خواص الأجيال ومهاراتهم العقليّة والعمليّة، وتدريبهم على خوض تجربتهم المستقبليّة بحسب ما يُناسب ميولهم ومواهبهم، بالاستناد إلى منظومةٍ قيميّةٍ أخلاقيةٍ سليمة، مستنبطة من خصال شعبنا الفريدة.

6-بأيّ أسلوب تؤدي رسالتك التّعليميّة وتحفز الطلبة على الدّراسة؟
*** التّعليم في مقدّمته تربية، وفي عمقه عناية، وبين سطوره اكتشاف لمواهب الطلّاب، وتنقية للدمامل والشّوائب في نفوسهم ومن بين أفكارهم، فالنّبت الصّالح ينمو بالعناية أمّا الشّوك فبالإهمال، لذا علينا تدريب عقل طلّابنا على التّفكير الخلّاق المبدع، وعلى الإكثار من التّساؤلات، فالعلم أساسه السؤال، ومحوره العقليّة المبدعة والمنظّمة في آن.

7-كيف تنظر إلى واقع اللّغة العربيّة اليوم على صعيد الإعلام وعلى صعيد التّدريس؟
*** اللّغة هي أداة التّعبير عن الحالة النّفسيّة والمادّية والرّوحيّة للأفراد، كما أنّها إحدى أهمّ إفرازات المجتمع، وبما أنّ الإعلام في عصرنا هو إعلام العولمة والحوكمة الرّقميّة والسّرعة، فهي باتت عاملًا ثانويًّا في صناعة المحتوى الإعلامي، مع تركيز القائمين على العمل الإعلامي في أمصار الأمم العربيّة على عوامل جذب أخرى منها مهنيّة، ومنها لا يتعلّق بالمهنيّة.
أمّا في المجال التّعليميّ، ليس بأحسن أحواله، فأولويّات الجيل اختلفت عن سابقاته، وبات من الصّعب إيجاد ميول واضحة للغة بين الطّلّاب، وفي حال وُجِدت تكون بناءً على مَلَكَة فطرويّة أو على تربية منزليّة وتوجيه بهذا الاتجاه.
وعلينا هنا ألّا نغفل فكرة هامّة ترتبط بعدم قدرة اللّغويّين وأهل الاختصاص على تجديد اللّغة العربيّة وإفنائها بمفردات تُحاكي العصر وتواكب الجيل وحاجاته، وذلك لأسباب عديدة لا نريد الغوص فيها الأن.

8-أنت مُطّلع على كتب الميثولوجيا والأساطير بعين نقديّة تستجلي الخطأ، وتدرك الصّواب، فحدثنا أكثر عن شغفك بهذا الميدان الشّائك بدروبه الوعرة.
*** من أهمّ مبادئ التّاريخ كما يقول ابن خلدون، إنّه: “في ظاهره إخبار وفي باطنه نظر وتحقيق”، كما أنّ التّاريخ هو ابن الجغرافيا، فبلادنا التّاريخيّة هي مهد الأديان السّماويّة، كما أنّها موطن الأساطير القديمة الّتي تشكّل الحكايات الشّعبيّة في بلادنا، وبما أنّ الميثولوجيا تهتم بتحليل الأساطير ودراسة معتقدات الشّعوب القديمة، وتعريفنا على مغامرتهم الحضاريّة وإسهامهم في تشكيل الحضارة، وبما أنّنا نعيش في عالم تحكمه المادّة ولا قيمة للأمانة العلميّة فيه، فإثبات أيّ إسهام ثقافيّ أو حضاريّ لأي شعب يحتاج إلى دلائل دامغة، فمثلًا: قصّة سقوط بابل والسّبي البابلي بحسب رواية المدرسة التّوراتيّة في علم الميثولوجيا تستند إلى روايات غير مُثبتة، بينما رواية مدرسة الميثولوجيا العراقيّة تستند إلى دلائل علميّة وتحليل عملي ومنطقي لسياق الأحداث يؤدي إلى نسف كلّ مرتكزات “بنو إ.. س.. رائ… يل” في مقاربة تلك الحقبة التاريخيّة.
مثال أخر، فيتاغورس الفيلسوف المعروف عند الإغريق، حيث يتباهى الإغريق كونه مكتشف السّلم الموسيقي، وواضع أهم أسس الرّياضيات، لكنّ الدّلائل تقول أنّه فينيقي من جنوب لبنان واسمه في الفينيقية “بيت غور” أي بيت المعرفة.
والأمثلة تطول على هذا المنوال.
فالصّراع بين المدارس الميثولوجيّة هو أساس الصّراع العقدي الّذي يسود صراعات العالم، سواء صراعات سياسيّة، عقائديّة، حضاريّة، قيميّة أو حتّى ثقافيّة.

9-ما الّذي تجده اليوم فُقد عند الكتاب وأهل الصّحافة والإعلام؟
*** اللّغة بحالة جامدة منذ عقود بحاجة إلى تجديد يُحاكي العصر، ويوازن بين جوهرها الأُسّ، ووظيفتها الأساسيّة.
أمّا في المجال الإعلامي فأكثر ما يُقتقد هو الالتزام بأخلاقيات العمل المهنيّ للإعلام، فالإعلام اليوم أخطر من القذائف والصّواريخ، يصنع الأحداث دونما الاستناد إلى الحقائق، يؤدلج الرّأي العام وفق أجندات سياسيّة ووفقًا لتوجيهات أصحاب القرار، لا بحسب ما تقتضيه أدبيات وأخلاقيات العمل الإعلامي المهنيّة.

10- إذا أردت وضع خطة تطوير المناهج التّعليميّة من أين تبدأ؟
*** أبدأ من فرض الموسيقى مادّة رئيسيّة في المنهج، نظرًا لقيمة الموسيقى في تنقية الشّوائب في النّفوس وتأثيرها الكبير في خلق الإنسان المتجدّد، وأثبّت مادّة علم الاجتماع من الصّف الأوّل الأساسي.
وأضيف مادّة رئيسيّة اسمها مادّة المناقب أي العقليّة الأخلاقيّة.
من هنا تكون البداية.

11-كيف تقييم الآداء اللّغويّ اليوم في عصر العولمة؟
***يطغى اليوم على الأدب ما يُعرف بالأدب المُدُني، والّذي يعكس عطش البيئات الاجتماعيّة للتحوّل نحو حياة الحضر بمفهومها الحديث، لكنّها تخلو من الأفكار الّتي تُحاكي حاجة البلاد لتطوير منظومة الوعي لديها لما يُحدق بها من مخاطر، بالإضافة إلى انتشار الأدب الرّوائي كثيرًا، وخصوصًا الرّوايات القائمة على قصص الحبّ. ما يعكس الفرديّة العمقية في مقاربة الكتّاب لواقعهم وعدم وجود وحدة روحيّة ثقافيّة في المجتمع.
فيما يخصّ الشّعر، فقد ابتعد الشّعراء عن وظيفة الشّعر الأساسيّة، وهي استشراف المستقبل، ما يجعل الشّعر أشبه بخواطر كاتبها.

12- ما هو ٱخر كتاب قرأته؟ أوجز لنا مضمونه.
*** كتاب القدس ليست أورشليم للدكتور العراقي الكبير فاصل الربيعي، والذي يفنّد فيه جغرافيا كتاب التّوراة بالاستناد إلى كتابات المؤرخ اليمني الهمداني والّتي بحسب الربيعي تعود إلى أرض اليمن القديم ولا تمت بصلة لفلسطين.

13-ما هو الكتاب الّذي تنصح المهتمّين باللّغة العربيّة به؟
***رسالة الغفران لفيلسوف الشّعراء أبو العلاء المعرّي، والّذي يُعتبر من أكثر عشرين كتاب أهمّية في تاريخ البشريّة.

14.كلمة أخيرة ننهي بها الحوار، مع جزيل الشّكر لوجودك المعرفيّ القيّم.
*** أشكركم على هذه المساحة الرّاقية، وأخص بالشّكر مديرة التّحرير الدّكتورة وفا نسيب المهتار، الّتي تعتبر نموذجًا حيًّا على الأصالة في شعبنا، وتعكس حقيقة المنظومة القيميّة المتجذرة فينا، كما أؤكّد على ضرورة وجود منصّات مشابهة على مواقع التّواصل الاجتماعي تعنى بالشّأن الثّقافي، وتسهم في تعزيز الوعي الاجتماعي في بلادنا

مجلة الفنون والاعلام

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!