أخر شجرة كيكلان في بلدة عين عطا تقف وحيدة لتشهد على أرث الطبيعة الحرمونية

صدى وادي التيم – أخبار وادي التيم /
يعتبر الإهتمام بالبيئة من الضرورات الأساسية في تنمية المجتمعات البشرية، وكثيرة هي الجهات العاملة في هذا المجال على تنمية الوعي بأهمية البيئة واستدامة مواردها سواء من الجهات الرسمية أوالجمعيات البيئية أوالمجالس البلدية . وتبقى استجابة الافراد والمؤسسات لقضايا البيئة ومشكلاتها هي العامل الأهّم من حيث تأثيرهم فيها وتأثرهم بها .
لقد أشتهر حرمون / جبل الشيخ عبر التاريخ بغاباته الكثيفة الأشجار التي لم يبق منها اليوم الاّ النذر اليسير بسبب عوامل التعرية والقطع الجائر لأخشابها الثمينة ، والبيئة الطبيعية في حرمون الممتد على مساحة 1000 كلم مربع شديدة التنوع والغنى كما تظهره دراسات حديثة أجريت على غطائه النباتي بجوار ” محمية حرمون ” ، إلاّ أن هذا الإهتمام لم يطل الغطاء الشجري المستوطن على سفوح حرمون وفي محيطه البيئي الحيوي حيث يمكن الإشارة الى عدد من الأشجار ذات الموطن الحرموني الأصيل ومنها شجرتي “البروث” ( اللزاب ) و”الكيكلان” أو ” الكوكلان ” والتي يُضرب المثل بصلابة خشبها بعد قطعه فيقال عن الشيء القاسي والصلب انه ” مكلكّل ” أي قوي جدا .
بالرصد المباشر وضمن النطاق الجغرافي لحرمون وتحديداً في بلدة عين عطا تقف أخر شجرة للكيكلان بين بيوت البلدة وحيدة وقد خلتْ النواحي الحرمونية منها بينما شجر اللزاب يتناثر بشجيرات متفرقة على سفوح حرمون وعلى ارتفاعات تتجاوز 2200 م عن سطح البحر .
خلال إعدادي لبحث متخصص حول ” جبل حرمون في تاريخه وتراثه” للمشاركة في جائزة مؤسسة عصام فارس للأبحاث العلمية في التاريخ والآثار عام 2003 ، (وقد نال البحث الجائزة الأولى حينها ) . تعرفت للمرة الأولى على ندرة شجرة الكيكلان من خلال لقاء مع صاحب الدار المرحوم أبو علام نجيب القاضي الذي أخبرني عن قصة الشجرة وكيف أن جده قد جلبها من سفوح حرمون وزرعها بجوار داره منذ مئة سنة أو أكثر ، وبالرغم من برودة الطقس في عين عطا التي ترتفع ما يزيد عن 1325 م عن سطح البحر وتتلقى أكبر كمية من الثلوج بما يشابه ظروف الطقس على سفوح حرمون فإن الشجرة اليوم تصل الى أرتفاع عشرة أمتار وبشكل متباسق وجميل حيث تفرش أغصانها الوارفة على مساحة كبيرة في محيطها .
والشجرة ذات خصائص مميزة منها كما أخبرني المرحوم أبو علام أنها تزهر زهوراً صغيرة زهرية اللون كان يجمعه المهتمون بصناعة العرق لإضافته مع اليانسون في إعدادهم لمنتوجهم فيعطيه مزية خاصة ، إضافة الى أن صلابة الفروع يمكن أن تستخدم لصناعة الحبال ، ولا شكّ أن عدم وجود ” عقد ” في جذع الشجرة بعكس شجرة الأرز كان ملفتاً عند الباحثين عن صواري للسفن ونقلها الى مرفاء صور قديماً أو لإختيار ” جسر البيت” الأساسي عند بناء البيوت بشكلها التقليدي وقبل الاستعانة بالباطون والحديد .
اضافة الى أن استعمال خشب شجرة الكيكلان كان مطلوباً بشكل كبير عند من يقطعون الحطب للتدفئة إذا تكفي قطعة من خشبها لتبقى النار مشتعلة لمدة ساعات في مواقد التدفئة دون أن تترمد بسرعة كما هي الحال مع غيرها من أخشاب اللوز أو السرو أو السنديان والحور .
أما عن سبب قلة تكاثر هذا النوع من الشجر فيعود الى أن أستنباتها يمرّ بعملية طبيعية مركّبة حيث أن الزهر بعد نضجه يحتوي على بذور صغيرة لا تنبت لوحدها إلاّ إذا تناولها طائر ” الكيخن ” وأختمرت في معدته ومن ثم رماها ضمن فضلاته في الطبيعة لتنمو . وبفقدان طائر الكيخن من أرض حرمون بعد أن تعرضت أشجار الكيكلان للقطع الجائر أصبح من الصعب إستمرار الطائر في بيئة لا غذاء فيها فهاجر عنها الى بيئات أخرى .
إن مصير شجرة الكيكلان وندرتها وإعادة إستنباتها وزرعها على سفوح حرمون الى جانب أشجار البروث / اللزاب لتكوين غطاء حرجي هو من الأهمية بمكان لإستعادة أرث بيئي نباتي معّرض للزوال ، وقد اشار د. يوسف طوق المختص بإستنبات شجر الأرز الى إمكانية استنبات شتول من شجرة الكيكلان وزرعها حتى على أرتفاعات تتجاوز 2400 م ، وهي مهمة يمكن أن تتولاها المجالس البلدية في عين عطا وبقية القرى المجاورة للسفوح قرب حرمون . خاصة وأن السياحة البيئية ومكانة حرمون ومعابده الأثرية تحتاج الى العناية بكل العناصر التي تُغني تلك البيئة الجبلية وتجعلها قبلة للزوار والمهتمين ، وهو ما نضعه في عهدة المجلس البلدي في عين عطا أولاً وفي اطار إهتمام اتحاد بلديات قلعة الأستقلا ل ثانياً والجمعيات البيئية في منطقة راشيا . العمل يبدأ بخطوة أولى …. فهل نبدأ ؟ .
د. منير سعيد مهنا
باحث في تاريخ وتراث جبل حرمون
صور: جمانة ريدان






