جيش اللبناني: العقل الصامد في وطن يتهاوى

صدى وادي التيم-لبنانيات/

منذ نشأته في الأول من آب عام 1945، شكّل الجيش اللبناني العمود الفقري للدولة الحديثة، وركنها الأساسي في الحفاظ على السيادة والاستقرار. انطلق هذا الجيش من إرث عسكري تشكّل مع انتداب الجيوش الفرنسية، لكنه ما لبث أن تحوّل إلى مؤسسة وطنية مستقلة تحمل هوية لبنان وتذود عن أرضه وأهله.
ورغم مرور السنوات، ظل الجيش اللبناني يواجه تحدياً ثابتاً فمنذ عقود، تعرّض الجيش لإهمال مزمن من قبل السلطة السياسية، التي كثيراً ما تعاملت معه وفق حسابات ضيقة، وزعامات مناطقية وطائفية، حالت دون تطوير إمكاناته وتعزيز قدراته. وعلى الرغم من هذا الواقع، بقي الجيش صامداً، ينهض بمسؤوليته الوطنية بعيداً عن الاصطفافات السياسية .في وطن أنهكته الأزمات وتكالبت عليه التحديات، يبقى الجيش اللبناني هو المؤسسة الوحيدة التي لا تزال تحفظ هيبة الدولة وتصون كرامة المواطن. إنه الجيش الذي لم ينحز يوما إلا للبنان، ولم يرفع سلاحه إلا دفاعاً عن الأرض والشعب والسيادة.
جنوده يحملون أرواحهم على أكفّهم كل يوم، ويقفون على خطوط النار لنبقى نحن في أمان. في الجنوب وعلى الحدود، في الجبال وفي الشوارع، الجيش حاضر، يقاتل الإرهاب، ويواجه العدو، ويساعد الناس في الكوارث والأزمات.
ورغم شح الإمكانيات وقساوة الظروف، لم يتراجع الجيش عن أداء واجبه. ظل صامداً، نظيف الكف، عصياً على الانهيار، في وقت انهارت فيه مؤسسات كثيرة، ما بين الجنوب والشمال، وعلى الحدود الشرقية، ومن شوارع العاصمة إلى جرود البقاع، تواجد الجيش دائماً، مقاتلاً من أجل أمن المواطن، وضامناً للسلم الأهلي، حتى في أحلك الظروف الاقتصادية والأمنية، ويوم تقلصت رواتب جنوده، وانعدمت الموارد، ظل الجيش مثالاً للانضباط والصبر.
يعرف الجيش اللبناني جيداً حدود قدراته العسكرية، ولا يوهم الشعب بمعجزات،لكنه يمتلك من الحكمة ما يجعل أمن لبنان منيعاً. فهو يحمي الوطن بفكر استراتيجي، ويستخدم ما لديه من إمكانات بتخطيط دقيق، لردع أي تهديد، سواء من عدو خارجي، أو من خطر داخلي يهدد السلم الأهلي.الجيش اللبناني الدرع الذي يحمي، لا فقط ببزته وسلاحه، بل بحكمته وانضباطه. فهو يدرك تمامًا موقعه وإمكاناته، ويعرف أن لا قدرة له على الوقوف في وجه عدو متفوق عسكرياً كإسرائيل، من حيث العتاد والعدة والتقنيات،
لكن هذا الإدراك لا يُضعفه، بل يجعله أكثر تمسكًا بمسؤوليته، وأكثر وعياً بأن الحماية الحقيقية للوطن لا تكون بالاستعراضات، بل بإدارة ذكية، واستيعاب التوازنات، والتحرك بعقل بارد يحمي اللبنانيين من الانزلاق نحو المجهول.
الجيش اللبناني لا يسعى إلى الحروب، لأنه يعرف تماماً أنه ليس مجهزاً لها. لكنه، في المقابل، لا يتراجع عن دوره، بل يثبّت حضوره في كل لحظة توتر، ويملأ فراغات الدولة حين تضعف، ويعيد الطمأنينة بصمته، واتزانه، ومصداقيته.
إنه جيش يحترم نفسه، ويعرف أن أعظم الانتصارات أحياناً تُصنع من دون إطلاق رصاصة، بل من خلال قرار حكيم، وموقف وطني، وضبط للنفس يساوي ألف معركة
لقد اعتدنا على أن نربط مفهوم الحماية بالعنف المضاد وبالقوة العسكرية، لكن الجيش اللبناني يثبت أن الحماية يمكن أن تكون أيضاً فعل وعي، وقرار عقلاني، وموقف مسؤول.
الجيش لا يحمل فقط السلاح، بل يحمل على عاتقه ثقة الناس، وتاريخاً من التضحية، وخبرة متراكمة في التعاطي مع الأزمات بحكمة، هو الحائط المنيع الذي يحول دون الانهيار، ليس فقط على الحدود، بل أيضاً في الداخل، حيث تتطلب حماية الوطن عقلانية أكثر من التهور، وحنكة أكثر من استعراض القوة.وهنا يظهر دور الجيش اللبناني، الذي لطالما كان حاضراً حيث تتطلب المسؤولية، وقادراً على حماية المواطنين دون اللجوء إلى القوة، إلا عند الضرورة القصوى، في الشارع كما في المؤسسات، وفي الكوارث كما في النزاعات، يقف الجيش اللبناني على خط الدفاع الأول، مستخدماً رصانته الوطنية، ووعيه، والتزامه بالقانون والدستور.
الجيش الذي يرفض الانجرار إلى الفوضى، هو نفسه الجيش الذي يُعوَّل عليه كلّما اهتزّت ركائز الدولة،
في كل مرحلة مصيرية مرّت بها البلاد، كان الجيش حاضراً بصمت، لكنه صمت العارف بما يفعل. لا يندفع إلى الصدام، ولا ينجرّ خلف الانفعال، بل يتخذ موقف الحامي لا المهاجم، ويدير التوازنات الدقيقة بين الأمن وحرية التعبير، بين فرض النظام واحترام المواطن.
الجيش اللبناني هو اليوم أكثر من مجرد مؤسسة عسكرية، هو عقل الدولة حين تغيب العقول، وهو ضميرها حين تتخبط المصالح. يحمل لواء الوطن، لا للقتال فقط، بل للحماية، للتهدئة، ولمنع الانفجار.
لذلك، لا عجب أن يرى فيه الشعب آخر المؤسسات التي ما زالت تحظى بثقته. لأنه أثبت أن الحرب ليست الوسيلة الوحيدة للدفاع، بل إن الفكر، والاتزان، والانضباط، هي الأسلحة التي تنقذ الأوطان.
ومع كل أزمة داخلية، يُلقى باللوم على المؤسسة العسكرية، وكأنها المسؤولة عن كل ما يحدث. يُطلب منها حماية التظاهرات، ضبط الأمن، منع الاشتباكات، حتى حين تكون أسباب الفوضى صنيعة تقصير السياسيين. ورغم ذلك، لا يتخلى الجيش عن دوره، ولا يتهرب من المسؤولية.
فتحية إجلال وتقدير للجيش اللبناني، هذا الصرح الوطني الصامد، الذي يثبت كل يوم أن الانتماء الحقيقي ليس شعاراً، بل فعل وفاء وتضحية. فله كل التقدير زالولاء لأنه اختار ان يحمي الوطن بعقله قبل سلاحه ،وبمسؤوليته قبل شعاراته شكراً لكل جندي وضابط، شكراً لقادتكم، لأنكم الحصن الأخير في وجه الانهيار

 ليلى عبود 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!