مآذن جنوب لبنان المدمرة لن تهلل لشهر الصيام
صدى وادي التيم – لبنانيات /
لم توفر إسرائيل، في حربها الأخيرة المعلنة على جنوب لبنان، المباني والمواقع التراثية والتاريخية وبخاصة في القرى والبلدات التي دمّرت عن بكرة أبيها، أي تلك الواقعة عند الحافة الأمامية من الحدود الدولية، وكذلك في مناطق خلفية عند الحد الثاني والثالث. ولم تسلم مناطق متفرقة من الجنوب والبقاع من استهدافات مماثلة على نحو مدن ومناطق بعلبك (شرق) والنبطية وصور (جنوب)، ومنها معالم ومواقع دينية من مساجد وكنائس ونوادٍ حسينية تعتبر تراثية وتاريخية إذ يبلغ عمر بنائها من عمر بناء القرى ويتجاوز بعضها عشرات العقود ومئات السنوات.
إسرائيل تتقصد هدم المساجد والكنائس
لم تدمّر إسرائيل هذه المواقع الجنوبية المهمة في عرف التاريخ والتراث وعند أبناء القرى والبلدات عن طريق الصدفة، بل سعت إلى ذلك عن سابق إصرار وتصميم، في محاولات لمحو الذاكرة الجمعية لسكان المناطق المستهدفة وارتباطها بالواقع الديني وطقوسه، والدليل على ذلك، بحسب إجماع عديد من المرجعيات المحلية والدينية والسياسية والأهلية، أن إسرائيل قامت بتدمير عدد كبير من المباني الدينية والمساجد والكنائس بعد وقف إطلاق النار المعلن في الـ 27 من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، إذ وسّعت توغلها في عديد من أحياء القرى الحدودية والداخلية، وقامت بتفخيخها ونسفها وتجريفها ليس بعيداً من تصويرها وعرضها على مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام.
ففي الثاني من ديسمبر (كانون الأول) 2024 وبعد أسبوع على إعلان وقف النار، هدمت القوات الإسرائيلية مسجد مارون الراس (جنوب) جارة بنت جبيل (عاصمة القضاء)، بواسطة جرافة ضخمة، في وقت كانت جرافاتها ومتفجراتها تدمّر منازل ومباني في الخيام وكفركلا وميس الجبل وغيرها من مناطق حدودية. وسبق للقوات الإسرائيلية أن هدمت وجرفت، منتصف أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، مسجد النبي شعيب في قرية بليدا الحدودية، ويعتبر مبنى أثرياً مدرجاً على لائحة الجرد العام ويعرف بأنه من أقدم مساجد الجنوب (جبل عامل) من حيث تاريخ بنائه.
لا مساجد تهلل لرمضان
إذاً، حلّ شهر رمضان المبارك، شهر الصيام الذي كان له وقعه الخاص في المناطق الجنوبية قبل نسفها وتدميرها أو تعرضها لقصف لم يوفر مختلف عماراتها الحديثة والقديمة، ومواقعها الدينية ومقارها البلدية والرسمية ومستشفياتها ومراكزها الصحية والاجتماعية. وباتت العشرات من القرى الحدودية من دون سكانها بعدما زلزلت القوات الإسرائيلية، إبان توغلها واحتلالها، عماراتها ومنازلها ومؤسساتها ومساجدها وكنائسها وبناها التحتية وشبكات المياه والكهرباء والاتصالات، وجعلتها أثراً بعد عين. ويجزم عدد كبير من رؤساء بلديات هذه المناطق الحدودية أنها أضحت غير صالحة للسكن في المدى القريب، ولن تكون كذلك قبل نحو خمس سنوات، إذا بدأت عملية إعادة تعميرها.
لن تتزيّن مساجد القرى الحدودية والداخلية المدمرة والمنهارة مآذنها بفعل القصف والتجريف بالأنوار والمصابيح والأعلام البراقة تهليلاً لقدوم شهر رمضان على نحو ما كان يجري في هذه القرى قبل الحرب مع قدوم كل رمضان، ولن تبثّ مكبرات الصوت من أعلاها الأدعية والتواشيح الدينية والآيات القرآنية، بل يمكن القول إن هذه القرى والبلدات باتت تغرق في حزن عميق بسبب فقدانها عشرات من أبنائها وسكانها ضحايا القصف والحرب، وخسارتها الفادحة في البيوت والمصالح وبقاء أصحابها نازحين إلى حين غير معلن.
مساجد لأكثر من 100 عام
ويؤكد الأستاذ المساعد في “الجامعة اللبنانية” المهندس حبيب صادق أن “جميع المواقع والمراكز الدينية التي جرى تدميرها تعتبر مواقع تاريخية من حيث التصنيف، إذ إن أقلّ عمر لعدد من المساجد يتجاوز 100 عام، وهناك مساجد ومواقع دينية مبنية على آثار رومانية يتجاوز عمر بنائها 2000 عام على نحو مسجدي بليدا (بنت جبيل)، ومحيبيب (مرجعيون). وكذلك كنيسة دردغيا (صور)، ويارون (بنت جبيل) وحتى مسجد حي البياض في النبطية، لن نجد مسجداً لم يتجاوز عمره 100 عام أو 150 عاماً”.
ويضيف المهندس صادق “كل ما تمّ التعرّض له من قلعة شمع الأثرية ومقام شمعون الصفا الديني المجاور لها عند الحدود البحرية الغربية جنوب لبنان وصولاً إلى الخيام في القطاع الشرقي، هي ليست مناطق تراثية بالمعنى العام وحسب، بل هي مساجد ومواقع تاريخية مبنية على مواقع أثرية رومانية، أو صليبية، بعد استخدام حجارتها في بناء هذه المساجد والمواقع، يضاف إليها عدد كبير من الآثار والعمارة التقليدية غير الموثقة من أسف شديد، وما يدور حولها من معلومات تاريخية هي شذرات جمعت من هنا وهناك، مدوّنة من مراجع محكية في البلدات الجنوبية، أو بعض الكتب اليتيمة التي أشارت إلى تاريخها وأساس بنائها من بعيد، خارج أي بحث علمي أثري وتاريخي والتدقيق في تاريخها الغابر”.
ويتحدث المهندس صادق عن اتجاه للبدء بعملية ذات مسارين “مسار سريع بالرؤية لكيفية معالجة عملية الدمار وإعادة التأهيل وإحياء الحركة الاقتصادية ضمن المجتمع المحيط، على أن تكون السلطة الأساس في رعاية هذا الأمر بيد السلطات المحلية، أي البلدية، خصوصاً أننا قادمون على انتخابات بلدية جديدة، ونتصور أن يخدم هذا الأمر المصلحة العامة في إعادة الإعمار، تماماً مثلما حصل في عملية إعادة إعمار لبنان بعد الحرب الأهلية في العاصمة بيروت، وكذلك بعد حرب 2006 الإسرائيلية وغيرها”.
أما المسار الثاني فينطلق برأي المهندس صادق “فمن الجامعات في لبنان لخلق مسار طويل يبدأ بتوثيق المناطق التراثية ببعدها التاريخي والمحلي وحتى الأثري، ونحاول تأمين عدد من المتطوعين من الجامعات أو المهنيين في نقابة المهندسين”. ويضيف “العملية حالياً هي قيد التأسيس، وكذلك نستطيع التحرك لخلق وعي مجتمعي باتجاه هذا التراث المحلي الذي يشكل نواة اقتصادية لمستقبل الحواضر. نقوم بمحاولات ومنها مع المجتمع المحلي، إذ إن نتائج الحرب بالانقسام اللبناني الحاصل لم تزل هذه العملية تسير بتأرجح؛ بدأنا في عبيه (قضاء عاليه) والبقاع والنبطية وقريباً سننطلق نحو جنوب الليطاني”.
ويشير المهندس صادق إلى أن هذه “المسيرة طويلة وشاقة، وقريباً سنعقد ندوة في النبطية تلفت نظر المؤسسات التي تتمتع بقدرات بشرية ومتخصصة، إلى عملية رفع هذا التراث وتحليله وتصنيفه ضمن إطاره المحلي وأنماطه المعمارية وارتباطه بالمجتمع الذي أنتج هذا النوع من العمارة والتراث، وعلاقته بسيرورة الأزمنة المتعلقة بالمدن والقرى، هذا المطلوب إذ إن العملية ليس تقنية، وحسب، بل إعادة الروح والمعنى والقيمة لهذا النسيج الذي ليس مجرد نسيج يطل على الماضي بل يجب أن يحضر في مستقبل المدينة”.
وأشرف المهندس صادق على عملية إحصاء المباني التراثية التي استهدفها الإسرائيليون أثناء الحرب قام بها طلاب الماستر الأول في الجامعة اللبنانية، كلية الفنون الجميلة والعمارة (الفرع الأول) قسم الهندسة المعمارية، “وجرى إحصاء مبانٍ متضررة في بعلبك وهي: مبنى المنشية، وقبة دورس، وبوابة إيعات، وقلعة تبنين الأثرية جنوب الليطاني في قضاء بنت جبيل، وكنيسة مار جرجس في دردغيا، ومقام النبي بنيامين في محيبيب، وسوق النبطية العثمانية، ومنازل فيها لسعيد شاهين وكمال ضاهر وآل خريزات وغيرها، وديوان فرحات في ميس الجبل، ومنزل تراثي في علمات (جبيل)، ومسجد العلامة نورالدين في النبطية الفوقا، وجامع حي البياض في النبطية، ومسجد بليدا، وجامع مركبا ومقام النبي منذر”.
إحصاء المساجد والكنائس المتضررة
وبدأت “جمعية قبس لحفظ الآثار الدينية في لبنان” بإحصاء المواقع الدينية التي تعرّضت للقصف والأضرار في الحرب الأخيرة. ويقول رئيس الجمعية علي زريق “تقوم جمعية قبس بإعداد قوائم بالمنشآت الأثرية الدينية التي تضررت في أثناء العدوان على لبنان تمهيداً لمسحها ميدانياً، ولذلك نأمل ممن لديه تفاصيل حول مسجد بلدته أو المقام أو الحسينية إفادتنا بحالته مع صور إذا أمكن”. ويضيف أن “قبس” باشرت بإحصاء المساجد والكنائس والنوادي الحسينية التي تعرّض لها الإسرائيليون هدماً بالغارات والقصف أو نسفاً بعد تفخيخها وتجريفاً وهي تتجاوز 30 موقعاً، “جرى إحصاؤها من بعيد، ولسوف تنتقل الجمعية قريباً إلى الأرض لتحصي ما حلّ بها من أضرار، وما حجم هذه الأضرار، ووضع تصور لإمكانية ترميمها، أو إذا كانت هناك ثمة استحالة هذا الترميم وضرورة البناء من جديد”.
ويتابع زريق أن الجمعية أحصت “مبدئياً أكثر من 30 مسجداً وكنيسة ومقاماً دينياً في مناطق الجنوب، منها: مسجد النبي شعيب الأثري في بليدا، مقام النبي شمعون الصفا في شمع، مقام يأثر في بلدة ياطر، مسجد السيدة الزهراء القديم في النبطية الفوقا، كنيسة مار مارون في دردغيا، مسجد الإمام زين العابدين الأثري في مدينة الخيام، مقام ساري في عدلون، مسجد حي البياض في مدينة النبطية، مسجد حي السراي، المسجد الأثري في كفرتبنيت، المسجد الأثري الكبير في ميس الحبل، مسجد العديسة، مسجد كفركلا، مسجد مارون الراس، مسجد الإمام علي في يارون، كنيسة يارون، مقام الشيخ ناصيف النصار في يارون، مسجد طيرحرفا، مسجد كفرشوبا، مسجد شبعا، مسجد طيردبا التراثي، مسجد الثقلين في مجدل سلم، مسجد بنيامين في محيبيب، مسجد الضهيرة، مسجد يارين، مسجد البستان، مسجد أم التوت، مقام ناصر بن نصير في الخيام، كنيسة مار أنطونيوس الكبير في الخيام، كنيسة مار الياس الحيّ في الخيام، كنيسة السيّدة والكنيسة الإنجيلية في الخيام”.
مسجد بليدا وأهميته الأثرية
ويعتبر مسجد “النبي شعيب” في قرية بليدا الجنوبية من أبرز المعالم الدينية الأثرية الفريدة في منطقة جبل عامل. وعلى رغم أهميته التاريخية إلا أنه يعاني من نقص في الدراسات العلمية والتاريخية التي توثّق تاريخ بنائه بشكل دقيق. وأدرج المسجد على لائحة الجرد العام التي تعدها وزارة الثقافة في لبنان عام 2003، بعد الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب في مايو (أيار) عام 2000، وظلّ، قبل هذا التاريخ، مهملاً مثل عديد غيره من المعالم الثقافية والتاريخية في جنوب لبنان.
ويعود أقدم ذكر معروف للمبنى كدار عبادة إسلاميّ إلى النصف الثاني من القرن الـ 18، إذ ورد ذكره في كتاب “جبل عامل في التاريخ” للشيخ محمد تقي الفقيه. وأعاد الشيخ ناصيف النصار، الحاكم العام لجبل عامل، بناء المسجد بعد “واقعة الحولا” عام 1771. وفي وصف يعود إلى عام 1881، جاء ضمن المسح الذي أجراه “صندوق استكشاف فلسطين” البريطاني، ذكر المسجد كموقع أثري يضم أعمدة قديمة ونقوشاً على جانبي بابه، بما في ذلك مثلثات مزدوجة، ما يعكس قيمة معمارية وأثرية قديمة للموقع.
كان مسجد النبي شعيب قبل تدميره يتمتع برمزية دينية وتاريخية تتجذر في ذاكرة سكان بليدا وأهلها الأوائل والنسيج الثقافي والمعماري للمنطقة. وينسب المسجد إلى النبي شعيب، الذي أتى ذكره في القرآن الكريم كشخصية بارزة، وغالباً ما يربط بشخصية يثرون، حمي النبي موسى في التوراة.
بالقرب من المسجد، تقع آبار شعيب، التي يرجح السكان المحليون أنها الموقع الذي سقى فيه النبي موسى أغنام بنات شعيب. ويشكل المسجد والآبار وحدة رمزية متكاملة تعكس ارتباط المنطقة بشخصية النبي شعيب كما تصفها الروايات الشعبية. وينطوي المسجد الأثري على نمط معماري استثنائي يجمع بين عناصر تاريخية مختلفة ما يمنحه قيمة ثقافية ومعمارية، وهو لم تضف إليه قبته إلا مع توسعته، وضم بناء جديداً ملاصقاً له بعد عام 2006، ولم تُبنَ له مئذنة سوى قبل 50 عاماً.
لكل مسجد حكاية
تكثر الروايات الشعبية في جنوب لبنان حول بناء المساجد والكنائس، وأعمارها، وتاريخ بنائها التي تعتمد على التخمين أكثر منه على التأريخ الواقعي، مع العلم أن عدداً كبيراً منها يحمل تواريخ أعمال الترميم أو التوسيع التي جرت لاحقاً من خلال لوحات صخرية منحوتة رفعت عند مداخلها. وتتوسط هذه المساجد ساحات البلدات والقرى لتكون النقطة الأقرب إلى جميع الأحياء السكنية. ولاحقاً بادر أهل وسكان هذه البلدات إلى بناء مساجد إضافية لأحياء جديدة نشأت هنا وهناك، فضلاً عن مساجد وكنائس عدة قامت في بلدات ذات تنوع ديني وطائفي. كذلك أسهمت الفورة الدينية بعد انتشار وجود “حزب الله”، وقبله “حركة أمل”، في المناطق الجنوبية الشيعية في نشوء مساجد جديدة، لا سيما بعد صراعات توجت العلاقة بين الطرفين قبل تشكيل “ثنائي شيعي” امتد إلى وقتنا الحاضر.
في شهر رمضان من كل عام تلبس المساجد في جنوب لبنان، المعروف بمنطقة جبل عامل، زينة استثنائية تعلّق عند مداخلها تحمل مصابيح ملونة مضاءة في الليل وأعلاماً دينية تحمل اسم نبي الإسلام محمد وآيات قرآنية، ويرتادها المؤمنون ليلاً لتأدية الصلوات الواجبة وصلوات التراويح والأدعية الدينية وبخاصة في “ليالي القدر”. ورفعت فاعليات مدينة النبطية هذا العام فانوساً رمضانياً عملاقاً ترحيباً بشهر الصيام، وهذا الأمر بات تقليداً يتكرر في المدينة مع قدوم شهر رمضان من كل عام. لكن الفانوس العملاق وضع هذا العام في وسط المربع التجاري العثماني الذي دمّرته غارات إسرائيلية عنيفة عليه في الـ 12 من أكتوبر الماضي.
اندبندنت عربية – كامل جابر