مرفأ بيروت… الكارثة لم تبدأ بعد!

أثناء تأدية واجب رفع الركام عن أنقاض مدينة أنهكها إهمال الساسة، لا بد لنا أن نفكر وأن نفكّر عميقاً، أن نفكر بصوتٍ عالٍ ربما، بالثمن الواجب دفعه ليس فقط من أجل إعادة استنهاض بيروت “العتيقة” التي نحب، بل في إعادة إعمار المرفأ، وكيف السبيل لاعادة إعمار هذا المرفأ، بل ما هو الثمن الواجب تسديده لاعادة الإعمار هذه؟
على تخوم بيروت، تصول الاساطيل “الاطلسية” وتجول. غالباً لم تأتِ تلبية لدعوة رسمية من قبل الحكومة اللبنانية الغائبة بدافع الاقالة والاستقالة عن تصريف أعمال السيادة، وليس من قبيل الصدفة أن يحتفي رافعي شعار الحياد بهذا الوجود والتاريخ يشهد على بصمات لهم في أكثر من مجال مشابه، الآن أضحى منطق التدويل، تدويل الازمة اللبنانية إنطلاقاً من تفجير المرفأ “الملتبس” أمراً واقعاً، من التدخل في مصير الحكومة السابقة ومسار تشكيل الحكومة الحالية إلى أعمال التحقيقات وتوزيع المساعدات. كل ذلك يقود إلى نشوء تفسيرات عدة حول الأسرار الكامنة من خلف تفجير المرفأ الذي يصنّف الغرب كأثر فريق إستفادَ منه!
وفي وضعٍ سياسي ومالي حرج كالذي نعيشه الآن، يصبح واجباً طرح الاسئلة بل التساؤلات. في الحقيقة، علينا أن نخاف، ليس من فعل إعادة الإعمار في حد ذاتها وإحتمال أن ينبت إلينا من مكانٍ ما “سوليدير” أخرى، بل أن نخاف على حقوقنا وسيادتنا المعرّضة الآن لاهتراءٍ أكثر في ظل تحوّل المرفأ إلى ركام وخروجه عن الخدمة كلياً للمرة الأولى منذ عهد الفينيقيين.
يقول محافظ بيروت مروان عبود، أن كلفة إعادة إعمار المرفأ تناهز الـ5 مليارات دولار. في بلد منكوب مثل لبنان يحتاج أصلاً إلى ضعفها في محاولة إعادة استنهاض نفسه من الأزمة الاقتصادية خانقة، تصبح الـ5 مليارات ثقيلة، ثقيلة جداً بل مفتوحة في حال توفّرها على شتى الاحتمالات.
من الواضح، أن الدول التي قرّرت أخيراً مساعدة لبنان، ليست في وارد منحه مساعدة بـ”شيك على بياض”. كرّرها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أكثر من مرّة خلال زيارته التفقديّة إلى بيروت. بطبيعة الحال لا بد أن تكون مساعداتها مشروطة لألف سبب وسبب، وهذا ينطبق على المساعدة في مجال إعادة إعمار المرفأ، وطالما أن صيغة “لا ثقة” تحكم النظرة إلى الطبقة وموجوداتها السياسية والانمائية، تصبح المسألة مرتبطة بالدول التي تبدي استعداداها لإعادة الإعمار.
ثمة من يقول أن لبنان كدولة، خسر مرفأه نهائياً، وان المرفأ الجديد في حال البدء بتشييده، سيكون ذات حصص مقسمة على شكل أسهم تذهب لصالح دول بعينها او ربما أكثر من دولة، بمعنى أن الدول التي ستبادر إلى إعادة تشييد المرفأ، لن تقدّمه مجاناً وعلى طبق من فضّة إلى سلطة متهمة بالتورط في تفجيره بالاساس، بل سيعود ريعه إليها، وهذا سيرتب على الدولة لاحقاً أموراً قد تكون نتائجها أكثر كارثية من الانفجار بحد ذاته، حيث ستصبح سيادتها على مرفئها الرسمي خاضعة لسيادة ومصالح دول أخرى مساهمة في إعادة إعماره، أو في أقل حال ستكون دولتنا خاضعة لأهواء تلك الدول.
والبناء على هذا الظن يأخذ في الاعتبار ميناء اللاذقية الذي منح إلى السلطات الروسية بموجب عقد دفعته سوريا لقاء الخدمات المتنوعة التي وفرتها لها موسكو. بهذا المعنى، قد تدفع بيروت الثمن عينه بموجب الثمن الذي ستدفعه تلك الدول من أجل إعادة إعمار مرفئها.
في الأصل، قضية التدويل، أي تدويل المسألة اللبنانية بات منذ أن وقع التفجير في صلب النقاش العام. في الحقيقة، إن الموجة التفجيرية طالت قبل أن شيء آخر أسس الدولة كدولة في لبنان، هدمتها إذا صح القول، وهذا التدويل بدأ يتمظهر وفق أكثر من نموذج. بداية عند طلب إستدعاء لجان دولية للتحقيق في إنفجار المرفأ بذريعة عدم الثقة في أجهزة الدولة، والمفارقة ان الداعين لهذه النظرية هم أصلاً من صلب هذه الاجهزة وتكوينها ومن أبناء “الدولة العميقة”، وليس نهاية عند زيارة الرئيس الفرنسي التي وإن دّلت على شيء فإنها تدل على بدء دخولنا في نفق التدويل، الذي وعلى ما يبدو بدأ بمشوار إعادة ترتيب الصيغة اللبنانية وفق نموذج أكثر قابلية للحياة. يعيدنا ذلك إلى مناسبتي إعادة الترتيب، الاولى عام 1990 حين تولت إدارتها الدول الخارجية، والثانية عام 2008 حين تكرّر الامر نفسه. الذي يجمع بين الاثنين، ان الارادة الدولية، اي إرادة التدويل، كان لها الكلمة الفصل في حل المشاكل اللبنانية جزئياً عند كل مرة تصل “الصيغة” إلى مرحلة شديدة الخطورة.
زبدة الكلام، أننا مقبلون على وضع سيء اسوأ من الذي سادَ سابق، وضع مفتوح على كافة الاحتمالات ومنها التخلي عن الكثير من سيادتنا، وبمعنى أوضح، إن أي ترتيب جديد للمسرح السياسي في لبنان سيكلف أثماناً باهظة وباهظة جداً.