كمين الغرفة 103 يكشف المستور… شبكة دعارة و”بطروسة” متوارٍ!

صدى وادي التيم – أمن وقضاء/

بدأت القضية بادعاء عن أموال وساعة “رولكس” مفقودة من أحد الشاليهات، لكنها سرعان ما فتحت أمام التحقيق خيوط ملف أوسع، تتداخل فيه الدعارة والسمسرة ونقل الفتيات وإدارة الطلبات عبر الهواتف ومجموعات التواصل، وصولاً إلى توقيف شخصين وإصدار بلاغَي بحث وتحر بحق شخصين آخرين.

وتولى المحامي العام الاستئنافي في جبل لبنان القاضي بلال بدر متابعة الملف منذ مرحلة الشكوى، فأعطى إشاراته إلى مكتب مكافحة الاتجار بالأشخاص وحماية الآداب لإجراء التحريات وتنفيذ عملية التوقيف. وبعد استكمال التحقيقات، جرى الادعاء على الموقوفين بجرائم تسهيل الدعارة والاتجار بالبشر، وإحالة الملف إلى قاضي التحقيق الأول في جبل لبنان القاضية ندى الأسمر.

تعود بداية القضية إلى شكوى تقدم بها بيار أبسات ضد امرأة كان يعرفها باسم “ريهام” وسمسار مجهول الهوية. وقال أبسات إنه تعرف إلى المرأة داخل أحد المتاجر، قبل أن تزوره مرات عدة في الشاليه الذي يقيم فيه. وفي الزيارة الأخيرة، دخل إلى الحمام، وعندما خرج لم يجدها، ليكتشف، وفق ادعائه، فقدان أموال وساعة يد ثمينة من نوع “رولكس”.

لكن أبسات لم يتوقف عند تقديم الشكوى. فبحسب إفادته، اشترى رقماً هاتفياً جديداً وتواصل مع رقم لبناني يشتبه في أنه يعود إلى الشخص الذي يشغّل المرأة أو يتولى السمسرة لها. وعندما طلب فتاة، تلقى صوراً عدة، من بينها صورة المرأة التي كان يعرفها باسم “ريهام”، فسلم المحققين ما جمعه من صور ومعلومات.

وبتاريخ 7 آب 2026، أشار القاضي بدر إلى العمل على ضبط المطلوبة بالجرم المشهود. وبعد 5 أيام، نُصب كمين داخل أحد الفنادق، حيث طلب المدعي حضور “ريهام”. وما إن وصلت برفقة رجل إلى أمام الغرفة رقم 103 حتى تحركت الدورية وأوقفتهما.

وتبين أن المرأة هي آ. م.، سورية من مواليد عام 2002، وأن الرجل المرافق لها هو رو. ب.، لبناني من مواليد عام 1967. ولم يُضبط بحوزتهما أي ممنوع، إلا أن المحضر أشار إلى العثور في حقيبة الموقوفة على مقتنيات مرتبطة بممارسة الدعارة. كما أظهر التدقيق وجود أسبقية بحق رو. ب. في ملف يعود إلى عام 2023 ويتعلق بتسهيل الدعارة والاتجار بالبشر.

وخلال التحقيق، أقرت آ. م. بأن “ريهام” هو الاسم الذي تستخدمه، وبأن الرقم السوري الوارد في الشكوى يعود إليها، كما أقرت بممارسة الدعارة، لكنها نفت سرقة بيار أو ابتزازه، وقالت إن خلافاً سابقاً قائماً بينه وبين بطرس إفرام المعروف بلقب “بطروسة”.

وقالت الموقوفة إنها دخلت لبنان خلسة قبل نحو عامين، وبدأت العمل مع “بطروسة” بواسطة فتاة تدعى إليسا. ووفق إفادتها، كان الاتفاق يقوم على اقتسام المبلغ مناصفة، فتحصل الفتاة على نصفه ويحصل المشغل على النصف الآخر، فيما يتولى سماسرة وسائقون نقل الفتيات وقبض الأموال وإعادتهن بعد انتهاء المواعيد.

وقدرت آ. م. عدد الفتيات اللواتي كن يعملن مع “بطروسة” بنحو 12، قبل أن يتراجع العدد إلى نحو 8 عند توقيفها. وقالت إنهن موزعات بين البوار وطبرجا والدورة ومناطق أخرى، وإن الطلبات كانت تُدار عبر مجموعة هاتفية، حيث تُرسل صور الفتيات إلى الزبائن للاختيار، قبل الاتفاق على السعر وتحديد مكان اللقاء.

وبحسب إفادتها، كان بطرس إفرام يدير العمل عبر الهاتف ومكالمات الفيديو، فيما يتولى جوان ورياض نقل الفتيات. وقالت إن رو. ب. كان يعمل سمساراً لا سائقاً، وإنه هو من رافقها إلى الموعد الذي انتهى بتوقيفهما.

الأكثر حساسية في إفادتها كان قولها إن “بطروسة” كان يردد أمام الفتيات أن لديه “نفوذاً في الدولة” و”غطاء” و”واسطة”، وأن أحداً لا يستطيع التدخل به. إلا أن هذه الأقوال تبقى منسوبة إلى الموقوفة، ولم يثبت التحقيق حتى الآن وجود حماية فعلية أو تحديد أي جهة يُزعم أنها توفرها.

أما رو. ب.، فقال إنه يعمل سائقاً منذ عام 2000، وإن ظروفه المادية دفعته لاحقاً إلى نقل الفتيات والعمل في السمسرة. وأقرّ بأنه كان يتواصل مع بطرس إفرام منذ نحو عام 2020، ويتلقى منه صور الفتيات لإرسالها إلى الزبائن، ثم ينقل الفتاة المختارة ويقبض المال، مقابل نحو 20 دولاراً عن كل طلب داخل طبرجا، مع زيادة الأجرة للمناطق الأبعد.

ونفى أن تكون لديه فتيات يعملن لحسابه، لكنه أقرّ بأن بعض اللواتي تركن العمل لدى بطرس كن يتواصلن معه مباشرة لتأمين زبائن لهن. كما قال إن “بطروسة” كان يتحدث عن وجود “مصاريف” وأنه “يقوم بتسوية الأمور”، من دون أن يحدد المقصود أو يقدم دليلاً على وجود غطاء رسمي. ونفى كذلك علمه بسرقة الأموال والساعة من المدعي.

وبعد اطلاع القاضي بلال بدر على كامل الإفادات ونتائج التحقيق، أشار إلى توقيف آ. م. ورو. ب.، وتنظيم محضر مستقل بحق الأولى لدخولها الأراضي اللبنانية خلسة. كما أشار إلى تنظيم محضر إلحاقي بحق بطرس إفرام وجوان شريف، وتعميم بلاغَي بحث وتحر بحقهما لمدة 30 يوماً والعمل على إحضارهما.

وانتهت المرحلة الأولية بالادعاء على الموقوفين بالمواد القانونية الموجبة في جرائم تسهيل الدعارة والاتجار بالبشر، مع شمول الملاحقة كل من يظهره التحقيق، وإحالة الملف إلى القاضية ندى الأسمر للتوسع في التحقيق وتحديد أدوار جميع الأشخاص الواردة أسماؤهم.

وبذلك، تحولت الشكوى عن ساعة “رولكس” مفقودة إلى بوابة فتحت ملفاً أكثر تشعباً، فيما يبقى السؤال الأبرز أمام التحقيق القضائي: هل كانت عبارات “الغطاء” و”الواسطة” مجرد وسيلة لإخضاع الفتيات وطمأنة العاملين، أم أنها تخفي شبكة حماية فعلية؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!