قرى العرقوب بين الواقع الميداني والتضليل الإعلامي: صمود الأهالي أمام الحصار والحملات الممنهجة

صدى وادي التيم – أخبار وادي التيم/

في أروقة السياسة وشاشات الإعلام، تتناسل الروايات وتُبنى السرديات عن مناطق لبنانية تُصوّر كأنها تحولت إلى واحات هادئة، تُردد فيها عبارات فضفاضة من قبيل “بسط سلطة الدولة” و”نزع السلاح” وكأن استقراراً سحرياً قد هبط على المنطقة. لكن، ما إن تنزل إلى أرض الواقع وتلامس تفاصيل الحياة اليومية في منطقة العرقوب، حتى يتبدد هذا السراب الرسمي ليصطدم المرء بحقيقة قاسية ومرّة: لا دولة ولا مؤسسات تحمي أو تغيث، بل واقع ميداني يفرضه حصار إسرائيلي خانق على أهل الأرض ومقدراتهم.

وهم “بسط السلطة” وواقع الفراغ

منذ فترة وجيزة، طالعتنا بعض الدوائر بتحليلات وتصريحات تصور العرقوب وكأنها منطقة آمنة ومستقرة تماماً بفضل “غياب المظاهر المسلحة” وعودة سيطرة السلطة اللبنانية. غير أن هذه الصورة المبتسرة تتجاهل تماماً بساطة الحقيقة الميدانية وعكسها التام. وفي هذا السياق، أكد اتحاد بلديات العرقوب، في حديث سابق لموقع “العرقوب لاند”، صراحةً ألا وجود للدولة اللبنانية اليوم في المنطقة؛ فبقي حضور المؤسسات غائباً كالعادة، بلا خطط طوارئ، بلا شبكات أمان، ولا مظلة تحمي العباد والبلاد.

ذريعة اللاحرب وسقوط منطق التبرير

وما يضاعف من مرارة الواقع في العرقوب، هو المفارقة الصارخة المتمثلة في أن المنطقة تعيش بمعزل عن أي عمليات عسكرية مباشرة، ورغم ذلك لم تسلم من العقاب والحصار. فالسردية التي تسوقها الأطراف الأخرى وتتخذها ذريعة لتبرير الاعتداءات الإسرائيلية – محاولةً الإيحاء بأن “وجود المقاومة” هو المسبب للعدوان – تسقط تماماً أمام صخرة الواقع في العرقوب؛ فها هي المنطقة اليوم خالية من أي عمل عسكري، ومع ذلك تتكبد أهوال الحصار والتضييق الاقتصادي والملاحقة الممنهجة. يثبت هذا السقوط بوضوح أن آلة العدوان الإسرائيلية لا تحتاج إلى “ذرائع” ميدانية لتستهدف أهلنا، بل إن طموحاتها وحصارها لا يستثنيان بقعة ولا يعترفان بالخطوط الحمراء، وأن لغة الاستباحة قائمة بذاتها بغض النظر عن شكل الحضور أو غيابه.

الحصار الإسرائيلي: خنق مقصود، تجريف، سياسة الأرض المحروقة، ومصادرة الأرض

في الوقت الذي تسوق فيه البيانات الرسمية وهم “الاستقرار”، كانت إسرائيل تسدّ الأفق بوجه أهالي العرقوب عبر فرض حصار محكم وممنهج على كافة المستويات، ولم يقتصر الأمر على التضييق الاقتصادي، بل تجاوزه إلى احتلال جزء كبير من أراضيها، وضمها قسراً لما يُسمى بـ”الخط الأصفر”، مترافقاً مع عمليات تجريف واسعة للأراضي وتنفيذ سياسة الأرض المحروقة وإحراق الأحراج والبساتين، في محاولة واضحة لسلخ هذه المساحات عن أصحابها، تدمير مقومات بقائها، وشرعنة الاستيلاء عليها.

ولم تقتصر الاعتداءات على الجانب العسكري ومصادرة الجغرافيا، بل امتدت لتضرب العمق المعيشي والاقتصادي لأهالي المنطقة في مقتل؛ فالقطاع الزراعي والثروة الحيوانية، اللذان يمثلان عصب الحياة والاعتماد الأساسي لأبناء العرقوب، يتعرضان لتضييق غير مسبوق. منع المزارعين من الوصول إلى ما تبقى من أراضيهم، عرقلة رعاية المواشي وتصريف الإنتاج، إلى جانب تعريض حياة وأمن الأهالي للخطر المستمر عبر ملاحقة واستهداف وأسر السكان في المنطقة، وقطع سبل الرزق؛ كلها أدوات تستخدمها إسرائيل لكسر إرادة الصمود في هذه البقعة الأبية، بهدف تهجير الناس بصمت وتحويل قراهم إلى مناطق طاردة للحياة.

أهل العرقوب.. وحدهم في مواجهة المصير

إن أخطر ما يعانيه أهالي العرقوب اليوم ليس فقط قسوة الاحتلال الإسرائيلي وحصاره، بل شعورهم المستمر بالعزلة والخذلان. فهم يُتركون دائماً في الواجهة وحدها، بلا دعم رسمي يخفف عنهم وطأة الحصار، وبلا رعاية حكومية تثبتهم في أرضهم وترعى صمودهم.

حين تُترك الأرض منسية رسمياً، ويُقابل صمود أهلها بالصمت أو بالتزييف الإعلامي عن “مناطق آمنة وهمية”، يثبت أبناء العرقوب مجدداً أن كرامتهم وتمسكهم بالوطن لا يحتاجان إلى صكوك اعتراف من سلطة غائبة، بل يُستمدان من عرقهم وتضحياتهم المتجذرة في هذه الأرض الطيبة التي ما عرفت يوماً الاستسلام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!