سيرة الشيخة شيخة بنت منصور بن إسماعيل الأطرش، والدة الزعيم الخالد سلطان باشا الأطرش

صدى وادي التيم – متفرقات/

المرأة التي أيقظت روح الثورة وصانت حرمة الضيافة
في صفحات التاريخ رجال حملوا السلاح، وقادة صنعوا البطولات وغيّروا مجرى الأحداث، غير أن وراء كل قائد عظيم امرأة غرست في نفسه مكارم الأخلاق، وربّته على الشرف، وأيقظت في قلبه روح العزة والكرامة. ومن بين أولئك النسوة الخالدات تبرز الشيخة شيخة بنت الأمير منصور بن الأمير إسماعيل الأطرش، والدة القائد الوطني الكبير سلطان باشا الأطرش. لم تحمل بندقية في ساحات القتال، لكنها حملت في قلبها مبادئ الحق والوفاء والكرامة، وكانت كلماتها شرارة أيقظت في النفوس روح الثورة وأوقدت نار الحرية.
عرف المجتمع الدرزي عبر تاريخه بتمسكه بقيم الشهامة والنخوة، وإكرام الضيف، وحماية المستجير، وصون حرمة البيوت. وهي قيم متجذرة في الضمير الإنساني قبل أن تكون عادات اجتماعية تتوارثها الأجيال. فإذا دخل المستجير بيتا طالبا الأمان، أصبح في ذمة صاحب الدار، وغدا الدفاع عنه دفاعا عن الشرف والكرامة والعهد، مهما عظمت التضحيات واشتد البلاء.
وفي عام 1925 لجأ المناضل اللبناني الشيعي أدهم خنجر إلى دار آل الأطرش في بلدة القريا، طالبا الجوار والحماية. وبينما كان في ضيافة سلطان باشا الأطرش، الذي لم يكن موجودا في داره آنذاك، اقتحمت قوات الانتداب الفرنسي المنزل، وألقت القبض على أدهم خنجر واقتادته بالقوة. فعد أبناء جبل الدروز ذلك العمل اعتداء صارخا على حرمة البيوت، وإهانة لقيم الجوار والضيافة، ونقضا لأعراف أصيلة توارثها الآباء والأجداد جيلا بعد جيل.
وتروي الروايات المتناقلة بين أبناء الجبل أن الشيخة شيخة، والدة سلطان باشا، خرجت بعد الحادثة وسكبت دلال القهوة أمام الدار. وحين عاد ابنها سلطان إلى بيته، خاطبته بكلمات أصبحت رمزا للعزة والكرامة، فقالت:
«البيت الذي لا يستطيع أن يحمي ضيفه لا يستحق أن يبقى بيتا، ومن يعجز عن حماية مستجيره لا يحق له أن يفتح بابه للضيوف».
لم تكن تلك الكلمات مجرد صرخة غضب عابرة، بل كانت ميثاق شرف، وتذكيرا بمعنى المسؤولية، ورسالة واضحة بأن الكرامة لا تتجزأ ولا تقبل المساومة، وأن حماية المستجير واجب أخلاقي مقدس لا يجوز التفريط فيه مهما كان الثمن.
وقعت كلمات الأم في قلب سلطان باشا الأطرش موقع السهم، فهزت وجدانه، وأيقظت فيه الشعور بالواجب تجاه شعبه وأرضه وشرف بيته. وأدرك أن الاعتداء على المستجير لم يكن إساءة إلى شخص واحد أو بيت واحد فحسب، بل كان إهانة لأمة كاملة وقيم راسخة حافظ عليها الأجداد وصانوها عبر السنين.
ولم يمض وقت طويل حتى اندلعت الثورة السورية الكبرى، فتحولت إلى واحدة من أعظم حركات التحرر الوطني في تاريخ سورية الحديث، وامتدت إلى مناطق واسعة من البلاد، وشارك فيها أبناء مختلف الطوائف والمناطق، متوحدين تحت راية الحرية والاستقلال والكرامة الوطنية.
وقد قدم أبناء الطائفة الدرزية خلال تلك الثورة تضحيات جسامًا، وسقط آلاف الشهداء دفاعا عن الأرض والحرية والكرامة، وتمسكا بالقيم التي نشأوا عليها، وفي مقدمتها حماية المستجير، وصون العهد، والوفاء بالكلمة، والوقوف إلى جانب المظلوم في ساعات الشدة والمحن.
لقد أثبتت الشيخة شيخة أن الكلمة الصادقة قد تكون أشد تأثيرا من الرصاصة، وأن الأم الواعية تستطيع أن تصنع قائدا، وأن تزرع في قلبه من المبادئ ما يجعله قادرا على تغيير مجرى التاريخ. فلم يقتصر تأثيرها على بيتها وأبنائها، بل امتد أثر كلماتها إلى وطن بأسره، وأصبح اسمها جزءا عزيزا من الذاكرة الوطنية، وإن لم يحظ بما يستحقه من الذكر والتقدير في صفحات التاريخ.
إن الأمم لا تبنى بالسلاح وحده، وإنما تبنى بالأخلاق، والوفاء للمبادئ، والثبات على الحق، وبالنساء اللواتي يربين أبناءهن على الصدق والشجاعة والإيثار. وستبقى الشيخة شيخة بنت منصور الأطرش مثالا خالدا للأم التي جعلت من الكرامة رسالة، ومن الشرف عقيدة، ومن حماية المستجير واجبا لا يساوم عليه ولا يفرط فيه.
رحم الله الشيخة شيخة بنت منصور بن الأمير إسماعيل الأطرش، وجزاها عن تاريخ أمتها خير الجزاء. فقد كانت أما لقائد عظيم، وكانت هي نفسها قائدة في الحكمة والثبات والإيمان بالقيم التي لا تموت. لم يعل صوتها في ميدان القتال، ولكن كلماتها ترددت بين الجبال، وأيقظت الضمائر، وتحولت إلى نداء خالد للحرية والعزة والكرامة.
العبرة
قد يظن بعض الناس أن التاريخ تصنعه البنادق والمعارك وحدها، غير أن الحقيقة تؤكد أن التاريخ كثيرا ما يبدأ بكلمة صادقة، أو موقف شجاع، أو أم عظيمة غرست في قلب ابنها معاني الكرامة والوفاء والمسؤولية. وما أحوج أمتنا اليوم إلى أمهات يربين أبناءهن على الشرف، وحفظ العهد، ونصرة المظلوم، واحترام الإنسان. فالأمة التي تتمسك بقيمها تبقى عزيزة مرفوعة الرأس مهما اشتدت عليها المحن، أما الأمة التي تتخلى عن مبادئها فإنها تخسر نفسها قبل أن تخسر معاركها.

سعيد نبواني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!