ثلاثية جديدة في وجه جنبلاط: الدروز تحت ضغط التحولات والانقسام

صدى وادي التيم – لبنانيات /

تتزامن التطورات السياسية والعسكرية في الإقليم، والعدوان الإسرائيلي على لبنان، مع تحوّلات عميقة داخل طائفة الموحّدين الدروز في لبنان والمنطقة، تنعكس انقساماً حاداً حول تموضعها الإقليمي وخياراتها المستقبلية. ولا شك أن مجمل ما يجري، بالتوازي مع الطروحات داخل الكيان الإسرائيلي لتسريع مشروع «إسرائيل الكبرى»، يضع الدروز، وخصوصاً في سوريا ولبنان، تحت ضغط متزايد، في ظل انتشارهم الجغرافي الحساس في المناطق الجبلية الجنوبية.

أحد أبرز تجلّيات هذا الانقسام برز أخيراً في ردّ الشيخ أمين الصايغ، أحد أبرز المرجعيات الروحية الدرزية في لبنان وسوريا وفلسطين، على ما ورد في مقابلة للنائب السابق وليد جنبلاط مع قناة «الجزيرة» الأسبوع الماضي. ففي الوثائقي «شاهد على العصر»، قدّم جنبلاط شهادته الشخصية، متطرّقاً إلى سيرة جدّه شكيب أرسلان، مشيراً إلى اعتناقه الإسلام السني، ووصفه «بني عثمان» بأنهم «العرق الذي يوحّد المسلمين والعرب».

وقد أثار ذلك موجة انتقادات، خصوصاً في أوساط الدروز السوريين الذين ربطوا الشهادة بأحداث اليوم، لا سيّما الغزوات التي شنتها قوات الحكومة السورية والعشائر ضد جرمانا وصحنايا والسويداء عام 2025، وما رافقها من قتل آلاف المدنيين واغتصاب وسبي عشرات النساء والأطفال، واعتُبرت مدخلاً للتدخّل العسكري الإسرائيلي المباشر.

ورغم أن ملاحظات جنبلاط جاءت في سياق سردٍ تاريخي حول سيرته الشخصية، وأن ما قاله سيكون جزءاً من كتاب سيرة ذاتية لا كموقف سياسي مباشر، إلا أن كلام الزعيم اللبناني لامس جرحاً مفتوحاً داخل الجماعة، لا سيما أن شريحة واسعة من الدروز كانت قد انتقدت أصلاً مقاربته للعلاقة مع الرئيس السوري أحمد الشرع، وتُحمِّل مسؤولية ما جرى في السويداء إلى التخلي التركي والسعودي عن حماية الدروز رغم طلبهم المساعدة، لمصلحة دعم الحكومة السورية.

هذا الإحساس بالخذلان ترافق مع مخاوف أعمق من محاولات إخضاع الجماعة بالقوة العسكرية وفرض أنماط دينية مغايرة، على غرار ما فرضته «جبهة النصرة» في إدلب على دروز جبل السماق، وإجبارهم على اعتناق الإسلام السني. وفي موازاة ذلك، بدأ يظهر داخل بعض الأوساط الدينية والفكرية الدرزية نقاش حول ضرورة إظهار أوجه الاختلاف مع الإسلام ورفض دعوات الارتباط بـ«العروبة» في إطار البحث عن هويّة سياسيّة وتاريخية جديدة للجماعة. ووصل الأمر بالبعض، كالشيخ حكمت الهجري في سوريا، إلى اعتبار نفسه جزءاً من إسرائيل.

ولعلّ أخطر ما يكشفه هذا المشهد هو غياب «محور محلّي» جامع، في مقابل تبلور انقسام حاد بين محورين في الإقليم، الأول إسرائيلي يدور حوله شيخا العقل في فلسطين موفق طريف، والهجري في سوريا؛ والثاني تركي – قطري – سعودي يدور حوله جنبلاط.

الشيخ الصايغ، الذي لم يُعرف عنه تأييدٌ لإسرائيل، بل بدا أقرب سياسياً إلى فلك النظام السوري السابق، مع حرصه الدائم على إطلاق مواقف عامة من دون الانخراط في التفاصيل، وجّه في خطابه الأخير انتقادات ضمنية قاسية لمواقف جنبلاط الأخيرة من دون أن يسمّيه، ما يعكس تبايناً حاداً يجعل الصايغ يبدو أقرب إلى معسكر طريف – الهجري، في لعبة التوازنات الداخلية.

وبذلك، تتبلور ثلاثية درزية جديدة تتعارض بوضوح مع توجّهات وليد جنبلاط: في فلسطين، يبرز موفق طريف لاعباً سياسياً فاعلاً يقدّم نفسه ممثلاً لدروز الإقليم عبر شبكة علاقات دولية واسعة، مستنداً إلى صلته الوثيقة برئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو؛ وفي سوريا، يرسّخ حكمت الهجري موقعه كقائد ميداني لآلاف المسلحين في السويداء، مع قنوات تواصل مباشرة مع الاحتلال؛ أما في لبنان، فيشكّل أمين الصايغ مرجعية دينية وازنة ذات تأثير واسع بين رجال الدين، من دون أن يعني ذلك دعمه لأي علاقة مع إسرائيل.

في المقابل، يتقاطع موقف معظم القوى الدرزية في لبنان – باستثناء بعض المواقف المتشدّدة لدى الوزير السابق وئام وهاب – على رفض أي شكل من أشكال التعاون مع الاحتلال. ويشمل ذلك النائب السابق طلال أرسلان والحزب التقدمي الاشتراكي، إلى جانب الحزب السوري القومي الاجتماعي وقوى يسارية درزية.

وقد تجلّى هذا التقاطع أخيراً في احتضان قرى الجبل للنازحين الجنوبيين، بمشاركة مختلف القوى، بما فيها مناصرو وهاب، رغم التحريض الإعلامي المحلي والإسرائيلي. إلا أن هذا التماسك لا يبدو كافياً لإحباط المخططات الإسرائيلية المدعومة بالقوة العسكرية، في ظل شعور متزايد لدى الدروز بالحاجة إلى الحماية، مع استمرار الاستهدافات في سوريا وغياب دور عربي فعلي يعطي قوة دفع لفرملة المخطط الإسرائيلي على الأقل، بدل ترك السويداء تحت حصار الشرع وقواته.

في هذا السياق، فإن الانقسام الدرزي والتحديات الناتجة عن التوغّل العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان تضع القوى السياسية والدينية الدرزية في جبل لبنان وجبل الشيخ أمام استحقاقات كبيرة، خصوصاً إذا ما استمرت قوات الاحتلال في التمدّد نحو مناطق ذات غالبية درزية كحاصبيا وراشيا، وأعلنت ربطها بالأراضي المحتلة من الحرمون السوري.

وتزداد هذه المخاوف مع تداول الاحتلال خرائط تُدرج قرى الحرمون اللبنانية ووادي التيم ضمن المدى العملياتي لقواته، وهو بالفعل بات يوجد في بعض الهضاب الجبلية التابعة لبلدتي شويا في حاصبيا وعين عطا في راشيا الوادي. وبحسب المعلومات، فإن الأيام المقبلة، ستشهد تحركاً ما من قبل جنبلاط باتجاه الفعاليات والشخصيات السياسية والدينية في جبل الشيخ ووادي التيم لمتابعة التطورات ووضع تصورات مشتركة للتعامل مع الأحداث المستقبلية.
ولكن، بغض النظر عن حجم وفعالية هذه التحركات، فإن الأكيد هو أن فصلاً جديداً من تاريخ طائفة الموحدين الدروز يكتب الآن، ويجد أبناء الطائفة أنفسهم في مواجهة محاولات جهات مختلفة لرسم ملامح هذا الفصل.

فراس الشوفي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!