عون يقترح «آلية التحقق» للجيش في الجنوب!

صدى وادي التيم – أمن وقضاء/

كتبت زينب في محسن في الرّأي:

لبنان هذا الأسبوع كأنه موضوع تحت مجهرٍ دبلوماسي دقيق, حيث تتقاطع الزيارات واللقاءات والرسائل الدولية على إيقاع الجنوب, لا بوصفه ساحة حدودية فحسب, بل باعتباره الاختبار الحقيقي لقدرة الدولة على الإمساك بزمام المبادرة قبل أن يفرض الخارج إيقاعه بالقوة. أسبوع حافل بدأ من الميدان, من جنوب الليطاني تحديدًا, مع جولة سفراء الدول الضامنة لاتفاق وقف النار برفقة قائد الجيش العماد رودولف هيكل, وينتهي عند طاولة “الميكانيزم” في اجتماعها الأخير لهذا العام, مرورًا بباريس والقاهرة وواشنطن وتل أبيب.

الجولة الجنوبية لم تكن استعراضًا, بل رسالة محسوبة. حين اصطحب قائد الجيش سفراء وملحقين عسكريين إلى مواقع جنوب نهر الليطاني, كان الهدف واضحًا: نقل الوقائع كما هي, بلا وسائط ولا تقارير منمّقة. من ثكنة صور, حيث أكّد هيكل أن هدف المؤسسة العسكرية هو الاستقرار أولًا, رغم الاحتلال والاعتداءات المستمرة والإمكانات المحدودة, انطلقت الجولة نحو علما الشعب ووادي زبقين, في تأكيد عملي على أن خطة “درع الوطن” ليست قرارًا على الورق, بل مسارًا يُنفّذ تحت ضغط الوقت والنار معًا.

في المقابل, كانت واشنطن تحاول لعب دور كابح للاندفاعة الإسرائيلية. لقاء المبعوث الأميركي توم برّاك برئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو في تل أبيب عكس محاولة واضحة لشراء الوقت للبنان, عبر مهلة جديدة لحصر السلاح, ولو حتى مطلع العام المقبل. كلام برّاك عن “حوار بنّاء” لم يخفِ حقيقة القلق الأميركي من حرب جديدة في الشرق الأوسط, تتناقض مع السردية التي يحاول دونالد ترامب ترسيخها عن نفسه كصانع سلام. حتى الصحافة الإسرائيلية تحدّثت عن موعد عسكري محتمل قد يُمدَّد, في انتظار ما ستسفر عنه الأسابيع المقبلة.

وسط هذا المشهد, كشف رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون عن اقتراح أميركي بالغ الدلالة: تعديل آلية العمل في الجنوب تحت عنوان “آلية التحقّق”, بحيث يتولّى الجيش اللبناني بنفسه التحقّق من أي مزاعم إسرائيلية حول وجود أسلحة في منشآت مدنية أو منازل. هذا الاقتراح, وإن بدا تقنيًا, يحمل في طياته تحوّلًا سياسيًا عميقًا, لأنه يسحب الذريعة من يد إسرائيل, ويعيد الإمساك بالميدان إلى الدولة, لا إلى الغارات الاستباقية. هو طرح يقوم على منطق بسيط: الدولة تتحقق, لا الطائرات.

هذا الطرح لا يعيش معزولًا عن الداخل. فبحسب معلومات , بلغ التنسيق بين بعبدا وعين التينة مستويات متقدمة, في أجواء تعاونٍ تهدف إلى تمرير المرحلة الصعبة بأقل الخسائر الممكنة, عبر توحيد الخطاب السياسي والدبلوماسي في مواجهة الضغوط الخارجية, وخصوصًا الإسرائيلية. الجهد اليوم ينصبّ على تحصين خطوة رفع مستوى التمثيل في لجنة “الميكانيزم”, كي لا تكون قفزة في المجهول, بل رافعة سياسية وأمنية تستند إلى مناخ دولي يوحي بإمكان الرهان على موقف أميركي أكثر تفهمًا للواقع اللبناني.

في هذا السياق, يبرز أيضًا تفعيل لجنة مراقبة وقف إطلاق النار كـ”فرصة وحيدة متاحة”, وفق توصيف مصدر وزاري, ولا سيما مع ترؤس السفير سيمون كرم الجانب اللبناني فيها, بما يملكه من خبرة دبلوماسية وقدرة على إدارة ملفات تفاوضية معقّدة. هذه اللجنة, إذا ما أُحسن استخدامها, يمكن أن تتحوّل إلى قناة ثابتة لملاحقة وقف الاعتداءات الإسرائيلية, والمطالبة بالانسحاب الكامل من المواقع المحتلة, شرط أن تُواكب بزخم سياسي داخلي يسهّل مهمتها ولا يفرغها من مضمونها.

لكن الصورة لا تكتمل من دون الإشارة إلى الداخل المتعثّر. تعطيل عمل البرلمان, والسجالات حول الجلسات التشريعية, بات موضع قلق حقيقي لدى الدول المعنية, التي انتقلت في مجالسها الضيقة من لغة النصائح إلى تشخيص مباشر للمشكلة. عبارة “برّي هو المشكلة” لم تعد همسًا دبلوماسيًا, بل توصيفًا متداولًا, في لحظة يحتاج فيها لبنان إلى تشريعات إصلاحية لا إلى شلل إضافي.

في العمق, كل هذا الحراك يصبّ في سؤال واحد: هل يملك لبنان القدرة على استثمار هذه اللحظة؟ الاهتمام الأميركي حاضر, لكن ليس إلى الأبد. النصائح تتكاثر بضرورة الإسراع في الإنجاز قبل أن تتحوّل البوصلة إلى ساحات أخرى. التباعد المتزايد مع إيران, من السجال الدبلوماسي إلى ملف السفير, يفتح نافذة فرص مع واشنطن, لكنه في الوقت نفسه يفرض مسؤولية مضاعفة: لا دعم بلا حصر سلاح, ولا مؤتمرات دعم للجيش من دون خطة واضحة تُنفّذ لا تُعلن!

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!