تقسيم المنطقة أصبح مصلحة إيرانية؟
صدى وادي التيم – متفرقات /
كتب طوني عيسى في الجمهورية :
لسنوات طويلة، بقي الإيرانيون يراهنون على أن لا فرص واقعية أمام الولايات المتحدة وإسرائيل لضرب منشآتهم النووية وتقويض نظامهم ونفوذه الإقليمي. وهذا الاعتقاد كان صائباً إلى حدّ بعيد. فهذه الضربة تستلزم أن تتولّى الحكم في إسرائيل قوى اليمين المتحمسة لها. كما تستلزم وصول فريق داعم لها إلى السلطة في الولايات المتحدة. فإسرائيل عاجزة عن تنفيذها سياسياً وعسكرياً من دون شراكة أميركية كاملة.
وحتى دونالد ترامب تجنّب المغامرة في ولايته السابقة. واستفادت طهران من الوقت لتدعّم قدراتها. ومن حظها أنّ الديموقراطيين عادوا إلى الحكم بعد 4 سنوات. لكن ما جرى اليوم ينطوي على مخاطر حقيقية. فقد حصل التقاطع الذي كان الإيرانيون يخشونه دائماً بوصول اليمين واليمين المتطرّف إلى الحكم في إسرائيل والبيت الأبيض.
وما يزيد هواجس النظام الإيراني هو الضربات القاتلة التي تلقّتها أذرعه على مدى 18 شهراً في غزة ولبنان وسوريا واليمن، ما أدّى تقريباً إلى تعطيلها. فبات يتصدّى للهجمة الإسرائيلية – الأميركية في الداخل الإيراني نفسه، ما يعني أنّ المعركة هناك ستكون نهائية وحاسمة. ولذلك، هو بدأ يستنفد الأوراق المتبقية في يده للحماية، وأبرزها: تحالفه مع روسيا والصين، ومحاولة إرضاء الولايات المتحدة بصفقة معينة، ومحاولة إقامة تحالفات مصلحية مع قوى دولية وإقليمية كأوروبا وتركيا.
في المقابل، يعمل ترامب على إغراء بوتين في أوكرانيا لعزله عن إيران. وأما الصين فلا تتورط عادة في الأزمات العالمية. وفي أي حال، هي بدأت تلوّح بورقة تايوان، لعلها تكون موضع مقايضة شبيهة بمقايضة أوكرانيا مع الروس. وفي الوقت عينه، تقدّم إيران إلى الأميركيين عروض تفاهم، لكنها حتى اليوم لا تبدو فاعلة.
لكن الخطة الأكثر إثارة هي تلك التي حاولت طهران تنفيذها في الأشهر الأربعة الأخيرة، أي منذ أن اضطر حلفاؤها إلى توقيع الاتفاق المجحف لوقف النار في لبنان وسقوط نظام الأسد في سوريا. وقضت هذه الخطة بمحاولة استعادة زمام المبادرة. وهو ما ظهر في مواجهات الساحل السوري وعلى حدود لبنان في الهرمل. وفي أفضل الحالات، هذه المحاولة كان يمكن أن تخلق جيباً لإيران في الساحل وفي جزء من الحدود مع لبنان، لكنها حتماً لن تعيد عقارب الساعة إلى الوراء على مستوى الحكم، لا في سوريا ولا في لبنان.
يعني ذلك أنّ إيران، وبعدما خسرت دول «الهلال الشيعي» وأنظمته، باتت مستعدة للاكتفاء بأجزاء يثبّت فيها الحلفاء أقدامهم، أي تقسيم الدول حيث تقتضي الحاجة. وهذا الخيار توقّعه عدد من الخبراء قبل سنوات. وفي معنى آخر، إنّ إيران بقيت لعقود تقمع كل مشاريع اللامركزية السياسية والفدرلة والتقسيم، لأنّها تريد السيطرة مركزياً. وعندما خسرت هذه القدرة، انقلبت مصلحتها. ولأنّه يتعذر عليها الإمساك مجدداً بالحكم في سوريا، فمن البديهي أن تطمح إلى السيطرة على منطقة الساحل إذا استطاعت. لكن دور روسيا لم يكن داعماً على ما يبدو، على رغم من امتلاكها قاعدتين عسكريتين هناك. فإيران ليس لديها ما تخسره إذا فشلت المحاولة، وهو ما حصل فعلاً، وأما بوتين فلا يريد إحراق أوراقه مع الحكم الجديد في لعبة فاشلة.
اليوم، تحاول إيران اختبار ورقة جديدة هي التفاهم مع تركيا على تبادل المصالح في سوريا ولبنان والشرق الأوسط كله. وللتذكير، في غزة، تحظى «حماس» بتقاطع الدعم الإيراني والتركي. ويمكن لإيران إغراء تركيا بمواجهة الأكراد ودعم «الإخوان المسلمين» في دول عربية عدة.
وهذه المحاولة الإيرانية استفزت إسرائيل. ولذلك، هي أطلقت العنان لماكينتها العسكرية في لبنان كما في سوريا، بحيث لا تكون لتركيا أي فرصة لـ«وراثة» نفوذ إيران في هذين البلدين أو تقاسمه. ولكن بالتأكيد، ستحاول إيران دائماً أن تستعيد بعض نفوذها، ولو على جزء من أي بلد من منظومة «الهلال الشيعي» السابق. وهذا يعني أنّها لن تمانع في أي يوم في اعتماد خيار التقسيم لتحقيق هذا الهدف. فالغاية في السياسة تبرّر الوسيلة.
ربما يتقاطع الإيرانيون مع إسرائيل التي تحتفظ بخطط تاريخية لتقسيم المنطقة طائفياً وعرقياً. لكن الإسرائيليين لن يوافقوا على إقامة محميات لإيران أو تركيا في الدول أو الدويلات المحيطة بهم. وهذا يعني في المحصلة أنّ استعادة إيران لنفوذها السابق باتت شبه مستحيلة التحقيق، أياً كانت الظروف. فالمتغيّرات التي حققها زلزال 7 تشرين 2023 شرّعت الأبواب لشرق أوسط جديد بكل المعايير.