في شهر التوعية… الإعتداءات الجنسية: التبليغات لا تتجاوز 18%
صدى وادي التيم – أمن وقضاء /
لا شك ان هناك قضايا تُدفن في الصمت، لا لأن أثرها غير موجود، بل لأن المجتمع يختار أن يغض الطرف عنها. الاعتداءات الجنسية واحدة من تلك القضايا التي يعيشها البعض في ظلال الخوف، بينما تبقى أرقامها الحقيقية مجهولة خلف الأبواب المغلقة. يأتي شهر نيسان، شهر التوعية حول الاعتداءات الجنسية، كل عام ليضيء شمعةً في هذا النفق المظلم، لكن كم من تلك الشموع تصمد أمام رياح التهميش والإنكار؟
بناء على ما تقدم، فإن أهمية التوعية في هذا الشهر لا تقتصر على رفع الصوت، بل تمتد إلى كسر حاجز الصمت الذي يحيط بالضحايا، إذ تشير الإحصاءات إلى أن عدد الحالات المُبلَّغ عنها لا يعكس بالضرورة الحجم الفعلي للمشكلة. فالخوف من الوصمة الاجتماعية، وغياب العدالة في كثير من الأحيان، يبقي الكثيرين أسرى لجراحهم دون أن يجرؤوا على البوح بحقيقة ما تعرضوا له. وفي هذا السياق، تكشف الارقم التي حصلت عليها “الديار” من منظمة “أبعاد” عن الفجوة الكبيرة بين الواقع وما يتم الإبلاغ عنه، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول الأسباب التي تدفع الضحايا إلى الصمت، وهل تكمن المشكلة في الخوف وحده، أم أن هناك عوامل أعمق من ذلك؟
إلى جانب ذلك، تلقت “الديار” شهادةً من والد أحد القاصرين الموقوفين في قضية “عصابة التيكتوكرز”، كشف فيها أن جهةً معنية بحماية القاصرين تستخدم في تقاريرها ألفاظًا تبتعد كل البعد عن المهنية والأخلاق المتعارف عليها، مثل “الشاذ” و “اللُّوطي”، وهي مصطلحات لا تعكس سوى انحراف في النهج الذي يُفترض أن يكون قائماً على الحماية والرعاية، لا على الوصم وإصدار الأحكام الجائرة.
لذلك، تفتح “الديار” هذا الملف ليس فقط من باب التوعية، بل لتسليط الضوء على أوجه الخلل في تعامل الجهات المعنية مع هذه القضايا، وإعادة طرح السؤال الأهم: متى يصبح الإنسان إنساناً في نظر المؤسسات التي يُفترض أن تحميه، لا أن تزيد من ألمه؟
تقول المتحدثة باسم منظمة أبعاد السيدة ليلى حمدان لـ “الديار” إن “نسبة الاعتداءات الجنسية التي تم التبليغ عنها من قبل الفتيات الضحايا خلال العام 2024 وصلت الى نحو 18% تقريباً، وهذا المعدل يُعدّ قليلًا مقارنة ببقية أنواع العنف القائم على النوع الاجتماعي. وإذا أردنا النظر إلى الأمر من زاوية تضاؤل هذه الظاهرة، فقد يكون تراجع التبليغ نتيجة لذلك، أو بسبب الخوف من التبليغ. بالطبع، نتمنى ترجيح العامل الأول، لكن ما يحدث في الأغلب هو العامل الثاني، وذلك استنادًا إلى دراسات تبيّن وجود خوف من العار والوصمة، ما يدفع السيدات إلى عدم التبليغ، إضافةً إلى عدم الثقة بالقوانين، فضلًا عن الخوف من المعتدي، خصوصاً إذا كان صاحب سلطة أو نفوذ”. وتضيف “أحيانًا تكون الضحية قاصراً وتتعرض للابتزاز الهاتفي أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهنا قد تلجأ إلى التبليغ، وفي أوقات أخرى قد تخاف. وفي بعض الحالات، يكون الاتصال بنا بهدف الاستفسار، لكنها لا تعاود التواصل نتيجة ذعرها، فتكتفي بالحصول على معلومات متعلقة بما حدث من دون متابعة حالتها، وذلك بسبب الفزع، خاصة من العواقب وما سيقال عنها، وهي أمور تذكرها السيدات عادةً”.
وتكشف لـ “الديار” ان “11% من السيدات المعنيات عبّرن عن تعرضهن للاعتداء الجنسي، وهنا لا نزال نتحدث عن نسب ضئيلة. أما في ما يتعلق باتحاد حماية الأحداث، فبالنسبة إلى “أبعاد”، لم نواجه أي مشكلات في التواصل معهم أو في الإحالة، بل على العكس، هناك تنسيق مع قاضية الأحداث لإدخال القاصر إلى مراكزنا ضمن وقت معين وبصيغة محددة. ومن وجهة نظر المنظمة، ربما الضغط الذي يتعرض له الاتحاد، وأحيانًا عدم توافر الخدمات اللازمة لإجراء الإحالة، قد يؤثران في طبيعة عملهم. حتى في التحقيقات، نكون معهم أو يكون هناك تنسيق بيننا، ولم يسبق أن وردت شكوى بشأن صياغة التقارير أو على كيفية التوجه إلى القاصر من حيث المصطلحات المعتمدة”.
من جانبها، توضح رئيسة الاتحاد لحماية الأحداث السيدة أميرة سكر لـ “الديار” أن “جمعية الاتحاد لحماية الأحداث في لبنان هي جمعية ذات منفعة عامة، تتعاقد مع وزارة العدل لمتابعة القاصرين خلال التحقيقات والجلسات”.
وتفصّل ان “المندوبة الاجتماعية تستمع إلى القاصرين وتساعدهم أثناء التحقيق للتعبير عن كل ما حدث لهم بشكل واضح، كما تحضرهم نفسيا قبل الاستماع إليهم، لأن عملية سرد ما حدث لهم من معاناة تترك آثاراً نفسية صعبة في القاصر. كما تواكبه أثناء الفحص الطبي من قبل الطبيب الشرعي وتتابع ما بعد جلسة الاستماع له. هذا هو دور المندوب الاجتماعي وفقًا للقانون. أيضا من واجبات المندوب الاجتماعي تقديم تقرير اجتماعي للقضاء، ولكن لا يمكنه التدخل في القرارات القضائية”.
وتضيف، “في ما يختص بمتابعة المتحرش أو المغتصب، يجب على الأهل تقديم شكوى للنيابة العامة، ولا علاقة للاتحاد بمتابعة ذلك إلا في حال توكيل الاتحاد من قبل الأهل. اما إذا كان الأهل هم المعتدين على الطفل، يتخذ الاتحاد صفة الادعاء ويتقدم بشكوى للنيابة العامة. هذا ويتابع محامو الاتحاد العديد من القضايا المتعلقة بالأحداث بدون أي بدل مادي”.
وتستكمل، “قد تلاحظ بعض الأسر أن الأطفال يقلدون تصرفات البالغين بطرق غير ملائمة، كأن ترتدي الفتاة الصغيرة حذاءً بكعبٍ عالٍ أو فستان والدتها، وتحشو صدرها لتبدو أكبر سناً، ثم تذهب لاحتساء القهوة عند جارتها برفقة “العريس” في مشهد تمثيلي ينتهي بتبادل القبل. هذه السلوكيات، وإن كانت تبدو عفوية، قد تحمل في طياتها إشارات تحتاج إلى توجيه، لا سيما أن الطفل قد لا يدرك حقيقة ما يقوم به. لذلك، هنا يبرز دور الأهل في متابعة ألعاب أطفالهم، وتوجيههم بأسلوب تربوي يساعدهم على فهم الفرق بين اللعب البريء والتصرفات التي قد تؤدي إلى تطبيع سلوكيات غير مناسبة لسنهم. التوعية المبكرة والمراقبة الواعية دون مبالغة أو قمع هي المفتاح لضمان بيئة لعب صحية وسليمة للأطفال”.
ما هو التحرش؟ تجيب برو: “هو كل فعل يرفضه الطرف الاخر، وهو تصرف مسيء يتناول ألفاظًا معينة مثل التلطيشات التي كانت تتردد على نحو عبارة “يسلملي جمالك”، وفي بعض الدول، تُسمى المرأة بأسماء فواكه. وقد يكون جسدياً مثل اللمس، وعادة ما يرافقه عنف. وطالما ان الطرف الاخر يرفضه، فإنه يعتبر تحرشا. وإذا كان الطرف الآخر بالغاً، فقد يتضمن عنفًا أو ابتزازاً. وهذا الفعل غير مقبول ويترتب عليه عقوبات صارمة، ولكن يجب أن تتوافر إثباتات ودلائل ليلاحق الفاعل. والتحرش نوعان: فقد يستهدف قاصراً، حيث تشدد العقوبات، او شخصا بالغا، وقد يكون على امرأة أو رجل”.
وتشير إلى أنه “من الضروري تعزيز الثقافة الجنسية في المدارس، حيث كان الحديث عنها مرفوضا في الماضي. وتقول: إن الوعي والثقافة الجنسية من خلال تعريف الطفل بجسمه وكيفية حماية نفسه، ومعرفته بأن هناك مناطق حساسة في جسده لا يُسمح لأحد بلمسها، أفضل من أن يشاهد فيلماً ويبدأ في تقليد ما يراه بدافع الفضول، أو ان يتعرض للتحرش ولا يخبر أهله خوفًا من ردة فعلهم. كما أرى أن ثقافة الأهل في هذا الموضوع ضعيفة، وعلى الرغم من تطور المجتمع، الا ان هناك العديد من البيئات المتحفظة. وهذا غير صائب، لانه إذا لم تحمِ الأم طفلها، فسيكون تحت رحمة الوحوش في المجتمع، لا سيما أن هناك أمراضا في العالم مصدرها جنسي. فكيف يكون هذا الولد محصنا إذا لم يُفهم ما هو الصح أو الخطأ؟”.
وتشدّد على نقطة مهمة، “وهي أن العلاقة مع القاصر، حتى ولو برضاه، تعتبر تحرشاً. وذلك لوجود الكثير من الحالات التي تكون رضائية، إلا أنها تعد تحرشا. لذلك، لا يمكن لأحدهم القول: “أنا تحرشت بقاصر وهو لم يُبدِ ردة فعل وكان سعيداً”. للأسف، يعمل الكثير من القاصرين في الدعارة، لا سيما على شبكات التواصل، كباراً وصغاراً، يبيعون أجسادهم، وعلى العكس، هؤلاء ليس لديهم أي مشكلة لأن في مقابل ذلك مغريات مادية. وقد أخبرني أحد الأشخاص أن صبية حصلت على مليون دولار في ظرف 5 دقائق عبر “التيك توك لايف”. بناءً على ذلك، نحن في عصر لا يمكننا فيه إلغاء انستغرام والتيك توك ومنصات أخرى، فكيف نحمي هذا الجيل؟ تعود لتوضح من خلال توعيته بأن هذا الأمر خاطئ ويجب على الفرد العمل من أجل تحصيل الأموال، لأن ما يأتي بسرعة يذهب بالطريقة نفسها. ولا أحد يعطي مبالغ خيالية دون غاية أو هدف مبيت”.
وتستشهد “بفيلم تحت عنوان “لام-شمسية” الذي تناول التحرش، والذي يعد أقوى وأهم مسلسل تم عرضه في العصر الحالي، بحيث كان يوجد أستاذ يتحرش بالجنسين وبالبالغين. وتبيّن أن الزوجة تعاني من مشكلة جنسية نتيجة تعرضها لتحرش من قبل صديقتها التي كانت تلعب معها في الصغر، ولم تكن تدري أن هذا تحرش، وعندما واجهتها، لم تتذكر”.
وتتابع، “يخاف الشخص المُتحرش به من الاعتراف، على أساس ذهنية تقول إن الفرد الذي تعرض لتحرش يصبح متحرشا. وهذه المسألة من المهم توضيحها، لأن هذا المعتقد غير صحيح، لأنه لا يوجد رابط. وقد يتعرض الإنسان إلى التحرش، وينفر من الطرف المتحرش، ويكرهه، وقد يمارس دوراً محورياً في التوعية ضد التحرش. لأنه إذا انزعج من هذا الفعل، فلن يمارسه على الآخرين. لكن هناك حالات يشعر فيها هذا الفرد بالانبساط، ويحاول إعادة تجربة هذا الفعل مع شخص آخر، وهذا أمر جداً خطأ”.
وتختم “قد يتجاوب الطرف الثاني مع الطرف الاول، وتصبح العلاقة رضائية، إلا أن هذا الفعل يظل مرفوضاً وخاطئاً. وهنا نصل الى حالة أساسها ليس لأن المتحرش به قام بالتحرش، وإنما لأن هذا الأمر أعجبه. وهذا يحدث على نطاق واسع في مجتمعاتنا، وبات موجودًا على أرض الواقع. لذلك يجب أن نوعي المجتمع أن الذي تعرض للتحرش يجب أن يقول ذلك ولا يخجل من إدانة المجتمع ويتكتم”.
ندى عبد الرزاق- الديار