لا تجعل دماغك يصدأ رقمياً… بل فعّل قدراته بذكاء

صدى وادي التيم – طب وصحة/

في عالم سريع، حيث يرافقك الهاتف في كل لحظة، ويقفز المحتوى أمامك كل ثانية، لم تعد المسألة هل نستخدم التكنولوجيا أم لا، بل كيف نستخدمها.

مؤخرًا، شاع مصطلح عالمي يُعبّر عن تحدٍ حقيقي يواجه أجيالنا الجديدة، يعرف بـ: “تعفّن الدماغ” – (Brain Rot) ، وهو تراجع ذهني – إدراكي ونفسي يحدث نتيجة الاستهلاك العشوائي للمحتوى الرقمي القصير والسطحي.

لكننا في مدارس مجموعة غلوبال اديوكايشن – GE، نؤمن أن التكنولوجيا هي فرصة وليست تهديداً، متى ما استُخدمت ضمن إطار تربوي ذكي مبني على كفاءات حقيقية، حيث تُصبح التطبيقات التكنولوجية والذكية الحديثة أدوات لتوسيع مداركنا، لا لتقليصها.

نستعرض فيما يلي عدداً من المفاهيم الأساسية المتعلقة بتأثيرات الاستخدام غير الواعي أو المدروس لما هو متوفر من تطبيقات رقمية ووسائل تواصل اجتماعي وذكاء اصطناعي، وكيفية تحصين الجيل الجديد تجاه نتائجها السلبية، بحسب توجهات مجموعة غلوبال اديوكايشن:

———-

أولاً، ما المقصود بـ”تعفّن الدماغ” (Brain Rot)؟

• مصطلح اختاره قاموس أكسفورد Oxford ليكون “كلمة العام 2024”.

• يدل على تراجع التركيز، ضعف الذاكرة، والانخفاض في مهارات التفكير النقدي والإبداعي.

• سببه الرئيسي: الانغماس في محتوى رقمي سريع وسطحي، يخلو من التحدي المعرفي أو القيمة الفكرية.

• تأثيراته النفسية تشمل: القلق، الإرهاق الذهني، والشعور بعدم الإنجاز أو “الفراغ الرقمي” (Digital Void).

———-

المفاهيم الأساسية المرتبطة بتأثيرات الاستهلاك الرقمي غير الواعي

1. تبخّر التركيز – Shallow Focus:

الانتباه يتآكل يومًا بعد يوم. تفتح تطبيقًا لمجرد ثوانٍ، فتجد نفسك بعد ساعة لا تعرف كيف مرّ الوقت.

التحدي:

• تراجع متوسط التركيز على الشاشة من دقيقتين ونصف عام 2004 إلى أقل من 47 ثانية اليوم (د. غلوريا مارك).

• المحتوى السريع يدرّب الدماغ على القفز لا على التعمّق.

• السبب: تعويد الدماغ على التفاعل السريع وتجنّب التعمّق.

كيف نواجهه في GE؟

• تصميم وحدات تعليمية تفاعلية ترتكز على:

– التفكير النقدي (Critical Thinking).

– حل المشكلات (Problem Solving).

• استخدام أدوات تعليمية تفاعلية مدعومة بـ الذكاء الاصطناعي (AI) تُناسب قدرات الطالب الفردية وتُحفّز التركيز التدريجي، وتعزّز الانتباه من خلال التفاعل المرح والموجه

• مشاريع جماعية تنمّي التعاون (Collaboration) والانتباه الطويل المدى.

———-

2. تراجع الذاكرة قصيرة الأمد – Short-Term Memory Decline:

حين تُغرق نفسك في فيديوهات لا نهاية لها، تبدأ ذاكرتك بالتشوّش.

التحدي:

• انخفاض في الذاكرة قصيرة الأمد بنسبة 30% بسبب الاستهلاك المفرط للمحتوى الرقمي (Nature Communications 2022).

• كثرة المعلومات السطحية تعيق التثبيت الحقيقي للمعرفة.

• التحدّي الحقيقي ليس في المحتوى فقط، بل في طريقة التعلّم.

ماذا نفعل في GE؟

• ربط المعلومات بالواقع عبر مشاريع تربوية وتطبيقات حياتية.

• تقديم منهج ومحتوى تفاعلي مدمج يُعزّز عقلية الباحث—تعويد الطالب على البحث، الفضول، وربط المعلومات، ما يُغني الذاكرة ويُنمّي مرونتها.

• لا يُطلب من الطالب فقط أن يتذكّر، بل أن يُحلّل، يُبدع، ويستنتج.

• دعم مهارات:

– البحث والتحقيق (Research Mentality).

– التعلّم الذاتي (Learn How to Learn).

– تكرار ذكي واستذكار متباعد (Spaced Repetition) لتحفيز الدماغ على حفظ وتحليل البيانات ودعم تثبيت المعرفة.

———-

3. التصفّح والتمرير بلا هدف… والفراغ بعده – Zombie Scrolling & Digital Void:

تمسك الهاتف… تمُرّر… تضحك… ثم تشعر بالفراغ. لا إنجاز. لا معنى.

تمرّ ساعات وأنت تمرّر إصبعك بلا هدف، ثم تشعر أنك لم تُنجز شيئًا. هذا النوع من الاستهلاك لا يُتعب الدماغ فقط، بل يُفقدك الشعور بالمعنى.

السلوكيات السلبية:

• التمرير التلقائي دون وعي – Zombie Scrolling: سلوك رقمي يتمثل في التصفح العشوائي والمستمر للمحتوى على الهاتف أو الحاسوب دون هدف أو وعي، غالبًا بدافع التسلية أو الهروب.

• التمرير السلبي – Doomscrolling: تصفّح أخبار سلبية بشكل مفرط.

• الفراغ الرقمي – Digital Void: الإحساس بالفراغ واللامعنى بعد التصفح الطويل.

• الإرهاق الرقمي – Digital Fatigue: حالة من التعب الذهني والجسدي الناتجة عن الاستخدام المفرط والمستمر للأجهزة الإلكترونية والشاشات الرقمية.

في GE: كيف نحمي أنفسنا؟

• بناء شخصية طلابية قيادية وريادية، تعرف كيف تُحدّد هدفها، تُنظّم وقتها، وتبني علاقات ومعنى في كل تجربة. حين تُدرك أنك لا تتعلّم للامتحان، بل لتُغيّر العالم من حولك، يصبح لكل ثانية قيمة.

• تعزيز الوعي الذاتي من خلال تنمية:

– القيادة الذاتية (Leadership).

– المرونة الذهنية (Grit).

– ريادة الأعمال (Entrepreneurship): لتحديد الأهداف الشخصية وتطويرها.

• إتاحة فترات الراحة الرقمية (Digital Detox) ضمن الروتين اليومي.

• تحويل وقت الشاشة من استهلاك سلبي إلى تعلم نشط وموجه.

———-

4. تآكل التفكير الإبداعي والنقدي – Loss of Deep Thinking:

حين تُصبح حياتك ردود أفعال، لا يبقى وقت للأسئلة العميقة.

التحدي:

• الاعتماد على المحتوى القصير يُضعف:

– التحليل والتأمل.

– الخيال والإبداع.

– صياغة الرأي الشخصي (Original Opinion).

• التفكير الإبداعي يصبح أصعب مع كثرة المحتوى الجاهز.

• الحوارات العميقة تُستبدل بالرموز والميمز.

• التعبير الذاتي يتحوّل إلى تقليد.

النهج في GE:

• بناء وحدات تعلّم تفاعلية تُركّز على:

– التفكير الإبداعي (Creative Thinking).

– التفكير النقدي (Critical Thinking)

– طرح الأسئلة بدل حفظ الإجابات.

• التدريب على هندسة طرح الأسئلة واستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي، بما في ذلك طرح الأسئلة العميقة والأساسية.

• تشجيع الطلاب على خوض نقاشات تُنمّي الاحترام المتبادل (Respect for Diversity) والتعبير عن الذات.

• عدم الاكتفاء بتعليم المادة، بل يتم تدريب الطلاب على التواصل، التعاون، والاحترام المتبادل.

• حين تتناقش مع زملائك في فكرة، أو تقود مشروعًا جماعيًا، أو تعبّر عن رأيك بأسلوب واضح ومحترم، فأنت بذلك تُقاوم التسطّح… وتبني نفسك.

———-

5. تغيّر اللغة وثقافة الميمز – Meme Culture & Digital Slang:

• الاستخدام المفرط للعبارات الرقمية السريعة مثل: “mood”، “rizz”، “ghost”، و”Skibidi dop dop”، يؤدّي إلى تآكل أدوات التعبير العميق، حيث تتحوّل اللغة أحيانًا إلى رموز سريعة، دون مضمون.

الأثر:

• ضعف في مهارات التعبير العميق.

• الاعتماد على ثقافة التفاعل بدل التواصل الحقيقي.

دورنا في GE:

• تعزيز مهارات:

– التواصل الفعّال (Communication).

– بناء الرأي الشخصي الواضح والأصلي والمستنِد إلى المعرفة والوقائع والحقائق.

• تدريب الطلاب على الاستخدام الذكي للغة الرقمية دون أن تُضعف لغتهم الفكرية.

• تطوير مهارات التعبير الشفهي والكتابي، باللغة العربية والأجنبية (الإنجليزية أو الفرنسية).

• دعم أدوات رقمية توفّر تغذية راجعة فورية للكتابة والتحليل، من خلال استخدام الذكاء الاصطناعي.

———-

6. العزلة الرقمية – Illusion of Connection:

رغم كل هذا “الاتصال”، نشعر بالانفصال أكثر من أي وقت مضى. الإفراط في المقارنة الاجتماعية والمشاركة الرقمية غير المتوازنة يُضعف الروابط الحقيقية ويزيد من العزلة.

الأثر النفسي:

• الشعور بالوحدة رغم كثرة التفاعل.

• ضعف في بناء العلاقات الإنسانية.

الاستجابة في GE:

• توفير بيئة مدرسية تعزّز:

– التعاون (Collaboration).

– التعاطف (Empathy).

– المشاركة المجتمعية الواقعية داخل الصف وخارجه.

• استخدام التكنولوجيا كوسيلة لتعزيز العلاقات لا استبدالها.

• تعزيز التفاعل الإنساني من خلال مشاريع جماعية واقعية وافتراضية

• دمج مهارات الذكاء العاطفي والرقمي ضمن الحياة المدرسية.

———-

7. خوارزميات الجذب – The Attention Economy & Infinite Scroll:

الخوارزميات لا تهدف إلى تعليمك… بل إلى إبقائك داخل التطبيق أطول وقت ممكن.

التحدي:

• التمرير اللانهائي (Infinite Scroll).

• نموذج السباق نحو قاع الدماغ (Race to the Bottom of the Brain) – الذي تحدّث عنه تريستان هاريس-، حيث تُستثار المشاعر (غضب، لذة، خوف) لجذب الانتباه.

استجابتنا في GE:

• تدريب الطلاب على فهم طريقة عمل الخوارزميات: لماذا يُعرض هذا المحتوى أمامي الآن؟ كيف يُشكَّل رأيي؟

• تشجيع استهلاك المحتوى العميق، والقدرة على التقييم والنقد.

• عدم الانجراف بالتجييش العاطفي أو الغرائزي أو غير العقلاني.

———-

بالنتيجة، كيف تحمي دماغك؟ نصائح عملية بأسلوب GE

فكّر قبل أن تفتح التطبيق:

• ما الهدف؟ ماذا أريد أن أتعلم أو أنجز؟

استبدل الاستهلاك العشوائي بـ:

• محتوى تعليمي تفاعلي.

• نقاش مع زميل.

• إنتاج مشروع رقمي أو عرض تقديمي.

• حوار معمق مع الذكاء الاصطناعي التوليدي، وتحليل وتقييم النتائج عوض تبنيها بشكل مطلق.

شارك في:

• منصاتنا المخصصة للتفكير التحليلي والإبداعي، خاصة تطبيق الذكاء الاصطناعي المتخصص.

• أنشطتنا التي تدفعك إلى التعلّم النشط وبناء رأي شخصي أصلي.

درّب نفسك على:

• التواصل اللفظي والكتابي.

• الاحترام والتعاطف مع زملائك.

• التعامل الذكي مع اختلاف الآراء.

خصّص وقتًا للراحة الذهنية:

• مارس الرياضة، أو أي من هواياتك، أو قم بجلسة تأمل بعيدًا عن الشاشة.

———-

الفرق الحقيقي؟ أن تكون أنت القائد في استخدامك للتكنولوجيا

الخوارزميات تُغذّي الشباب بما يرغبون، لكننا في GE نؤمن أنه يجب تدريب الشباب على اختيار ما يُغذّي فكرهم. ومنحهم الأدوات التي تسمح لهم أن يكونوا صانعين ومنتجين للمعرفة لا مستهلكين لها فقط.

فيجب تدريبهم على:

• المرونة العقلية – (Grit): القدرة على متابعة فكرة معينة حتى النهاية رغم التشويش.

• الاحترام للتنوّع: فتح المدارك لأفكار وثقافات وآراء أخرى، خارج فقاعة الخوارزميات وما تريد فرضه.

• التعلّم الذاتي: معرفة كيفية ان يتعلّم الطلاب بنفسه، ويبني مساره المعرفي، لا أن ينتظر من يُلقّنه.

• التواصل العاطفي (Empathy): حُسن فهم الآخرين، والتعبير عن النفس برقيّ، حتى في العالم الرقمي.

لذلك، يجب أن يفكر الطالب أو الشاب قبل أن يلمس الشاشة:

• لماذا أفتح هذا التطبيق؟ هل لهدف أم لمجرد الهروب وتمضية الوقت؟

• هل يُنمي ما أشاهده من فيديوهات قدراتي؟ أم يُضعفها؟

• هل أستخدم وقتي لأصنع شيئًا؟ أكتب رأيًا؟ أتعلم مهارة؟ أعبّر عن ذاتي؟

• لماذا أرى المحتوى الذي تدفعه محركات التواصل الاجتماعي أمامي؟

في GE، هذه الأسئلة ليست شعارات، بل نُترجمها يوميًا في صفوفنا، في مشاريعنا، وفي طريقة تعاملنا مع المحتوى.

التكنولوجيا هنا ليست مجرّد وسيلة، بل بيئة تعليمية تُعيد ربط الطلاب بذواتهم، وبقدرتهم على التعلّم مدى الحياة.

———-

لذلك،

فإن “تعفّن الدماغ” ليس مصيرًا محتومًا، بل نتيجة لاستخدام غير واعٍ للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي

ومقابل كل خطر رقمي، هناك فرصة تربوية ناضجة.

في مدارس GE، نبني عقلًا ناقدًا، وشخصية مؤثرة، وعقلية باحث لا يتوقف عن السؤال.

نبني طالبًا لا يكتفي بالتفاعل مع العالم… بل يُعيد تشكيله.

 د.ميلاد سبعلي

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!