ماذا يوجد في خزائن «المكتب 489» …. التي نقلت إلى إسرائيل !؟
صدى وادي التيم – أمن وقضاء /
لو سألت أي أحد في سوريا ، بمن في ذلك العسكريون، وباستثناء عدد محدود جداً من هؤلاء، عن «المكتب 489» في الجيش السوري، لما عرف شيئاً عنه، لأنه لم يسمع به من قبل، ولربما ظن أنك تتحدث عن أحد الفروع الأمنية!
يتبع هذا المكتب إلى «فرع الشيفرة وأمن الوثائق». وهذا الأخير، الذي نادراً ما سمع به أحد هو الآخر، يُعتبر إحدى الإدارات التابعة لرئاسة الأركان مباشرة ( الحديث يدور طبعاً عن رئاسة أركان الجيش ). وكان حتى عدوان حزيران 1967 يقع في مقر رئاسة الأركان في دمشق / شارع بيروت / ساحة الأمويين. وخلال الحرب المذكورة تعرض للقصف الإسرائيلي من جملة المواقع العسكرية التي جرى استهدافها. وهذا ما دفع القيادة السابقة ( الأتاسي/ جديد) إلى اتخاذ قرار بنقل «المكتب 489» إلى مكان بعيد في العمق السوري، بعيداً عن العاصمة، خشية أن يتعرض للتدمير في أي حرب جديدة.
◾المكتب هو ، بمعنى ما، الإرشيف المركزي للجيش العربي السوري. ويتضمن المكتب جميع وثائق الجيش ، على اختلاف أنواعها، منذ تأسيسه الأول في العام 1920 على يد الشهيد «يوسف العظمة» حتى تبخره الشهر الماضي، أي على مدى أكثر من مئة عام . وفي خزائن هذا المكتب يجري تخزين وثائق كل ضابط أو صف ضابط أو فرد كان في الجيش يوماً ما، بغض النظر عن رتبته و وضعه العسكري (مجند، متطوع، شهيد ، مفقود، فارّ، جاسوس ….إلخ). وفيه أيضاً جميع وثائق الجيش الأخرى عن بكرة أبيها، بدءأ من عقود السلاح وانتهاء بممتلكات الجيش الثابتة والمتحركة، مروراً حتى بجميع الأوامر الإدارية والتعليمات والقرارات المتخذة طوال أكثر من مئة عام في جميع الوحدات العسكرية ، المقاتلة والإدارية. وفي هذا الإرشيف يمكنك أن تعثر، مثلاً، على أمر إداري يقضي بإرسال دبابة للإصلاح في رحبة المدرعات قبل عشرات السنين، وعلى الهويات الشخصية المدنية لجميع الضباط والعسكريين المتطوعين منذ تأسيسه! بتعبير آخر: لم تصدر عن الجيش وثيقة واحدة مهما كان نوعها، منذ العام 1920، حتى سقوط النظام يوم 8 ديسمبر، إلا وتوجد فيه . فتخيلوا حجم الوثائق المهول التي يضمها المكتب.
◾حين تقرر نقل المكتب إلى العمق السوري في العام 1968 ، لم يجدوا ما هو أنسب من فندق سياحي كان بني في العام 1959 خلال الوحدة مع مصر (لصالح وزارة السياحة) في مدينة مصياف / محافظة حماة. ويومها (في العام 1968) وضعت وزارة الدفاع يدها عليه وجعلته مقراً للمكتب 489. وكان الفندق يعتبر من فئة خمس نجوم في حينه ( كله من الحجر المنحوت والأعمدة التي يشكل كل منها حجراً اسطوانياً واحداً بذاته على غرار أعمدة تدمر). وأهالي مصياف لم يكونوا يعرفون شيئاً عنه سوى أنه موقع عسكري، فأطلقوا عليه (حتى اليوم) اسم «الفندق العسكري» أو «فندق الوراقة»، نسبة للمنتزه المجاور له. وفي العام 1980 حاولت جماعة الأخوان المسلمين اغتيال مدير المكتب، العميد “حسن محمود حلوم”( رغم أنه “مسلم سني”!!)، حين كان يحاول إخراج أفراد أسرته وأطفاله من “حي الحاضر” في حماة. وقد أصيب يومها بجراح متوسطة ( أعرفه شخصياً، بحكم وجود علاقات عائلية بين أسرته وأسرتنا منذ أن كان ضابطاً صغيراً مطلع السبعينيات).
◾استمر الوضع على هذه الحال حتى مطلع الثمانينيات. فسبب تضخمه وتضخم محتوياته وضيق المكان (600 متر مربع مساحة طابقية لطابقين) ، تقرر إنشاء مكتب جديد في منطقة قريبة، فجرى حفر نفق كبير في بطن الجبل على بعد حوالي 2 كم منه ( قرب قرية «البيضا» ، عند مفرق طريق مصياف – حمص). ويومها تولى مهندسون من كوريا الشمالية تنفيذه بحيث يكون محصناً ضد جميع أشكال القصف الجوي، بما في ذلك النووي. فقد جرى تزويده بطبقات عازلة ماصة للإشعاعات، فضلاً عن فلاتر / مرشِّحات تهوية قادرة على امتصاص الإشعاعات الأربعة (ألفا، بيتا، غاما، النيترونات). وشاءت المصادفة البحتة أني دخلت إلى النفق في العام 1980 حين كنت لم أزل في الجيش ، بينما كان لا يزال النفق قيد الحفر. وحين أنجز (في العام 1982 على ما أذكر) ، جرى إرسال مندوبين من وزارة الدفاع إلى أوربا الغربية (ألمانيا الغربية أو بريطانيا) لشراء خزائن حديثة من النوع المخصص لتخزين المخطوطات والرقيمات الأثرية في المتاحف ( تحافظ على درجات حرارة ورطوبة وأمان بأحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا يومها). وأذكر أن العسكريين الذين ذهبوا إلى أوربا لشراء الخزائن حملوا جوازات سفر بصفتهم «موظفين في وزارة السياحة / مديرية الآثار والمتاحف»، وكانت المشتريات لصالح هذه الوزارة صوريا!
◾اعتمد «المكتب 489» على نمط التخزين الورقي ثم الميكروفيلمي. ولا أعرف إن كانت جرى ترقيمه لاحقاً ( تحويله إلى نمط التخزين الرقمي / ديجيتال)، لكني لا أظن. لأن الجيش كان بدأ يتهلهل على نحو غير مسبوق منذ أواسط الثمانينيات، إلى حد تقليص أو وقف ما يسمى «النفقات الاستثمارية» في الجيش كله لصالح الأجهزة الأمنية ولتلبية احتياجات النهب والفساد من كبار أعضاء عصابة «البيروقراطية العسكرية» الإنكشارية. هذا فضلاً عن أن «الأسد الأب» كان اتخذ يومها، على خلفية اتفاقية كامب ديفيد المصرية – الإسرائيلية، قراراً استراتيجيا ينص حرفياً على أن «حرب تشرين 1973 هي آخر الحروب السورية – الإسرائيلية».
◾ يحتوي «المكتب» على مئات الأطنان من الخزائن الفولاذية التي يبلغ وزن كلها منها قرابة نصف طن، كما أستطيع التخمين استناداً إلى بعض نماذج هذه الخزائن التي رأيتها في ألمانيا الشرقية السابقة، دون أن تكون لدي معلومات تقنية دقيقة عن الأمر.
◾وفق آخر المعلومات التي وصلتني، ولم أستطع التثبت من ذلك يقينياً وقطعياً حتى الآن، فإن جميع وثائق «المكتب 489» أو معظمها، جرى شحنها من قبل الجواسيس السلاجقة الجدد إلى إسرائيل بعد سقوط النظام وحل الجيش . هذا ولو أن هناك معلومات أخرى، ليست مؤكدة حتى الآن، ولم أستطع التثبت منها من أي شخص من أبناء المنطقة، تقول إن الإسرائيليين نفذوا إنزالا على الموقع في اليوم نفسه الذي نفذوا فيه إنزالهم على مركز البحوث العلمية…
جورج متَّى