30 عامًا على سقوطه.. 10 أسئلة تشرح قصة جدار برلين
نشر «هيستوري إكسترا» – الموقع التابع لهيئة الإذاعة البريطانية (BBC) – مقالًا للبروفيسور باتريك ميجور، أستاذ التاريخ الحديث بجامعة ريدينج، تحدث فيه عن جدار برلين قبل الذكرى الثلاثين لسقوطه وتاريخ ذلك الجدار والسبب وراء بنائه وعدد الأرواح التي أُزهِقت عند سفحه وأهميته في الوقت الحالي.
وافتتح مقاله قائلًا: «لقد مرت 30 عامًا على سقوط حائط برلين؛ الحل الواقعي الذي تبنته ألمانيا الشرقية لإيقاف تيارات النزوح الجماعي لمواطنيها تجاه الغرب عبر الحدود المفتوحة لبرلين الغربية في ذروة الحرب الباردة».
ولمدة 28 عامًا بعد الإغلاق الحدودي المشؤوم في يوم الأحد 13 أغسطس (آب) 1961، أصبح الصرح، الذي كان مصدر الإلهام للروائيين جون لو كاري (الاسم المستعار للمؤلف الدولي للكتب الأكثر مبيعًا، ديفيد جون مور كورنويل، عن رواياته التي تركز على البيئات السياسية والتجسس من عصر الحرب الباردة)، ولين ديتون، الروائي والمؤرخ العسكري البريطاني الذي اشتهر بـروايات الجاسوسية – لاعبًا أساسيًّا في مشهد الحرب الباردة؛ فقد كان أي شخص يتجرأ على عبوره يهدد بالقتل.
سياسة
1. لماذا بُني جدار برلين؟
يقول الكاتب: «في حقبة الخمسينيات من القرن الماضي، كانت جمهورية ألمانيا الديمقراطية – ذلك الجزء من ألمانيا الذي كان منطقة احتلال من قِبل الاتحاد السوفيتي في تقسيم ما بعد الحرب العالمية الثانية في ألمانيا – مهددة بنزوح جماعي لمواطنيها، إذ فر واحد من كل ستة أشخاص بحثًا عن عمل في ظل «المعجزة الاقتصادية» لألمانيا الغربية (ولكن في بعض الحالات كانوا يفرون من الاضطهاد السياسي أو الديني).
أرادت جمهورية ألمانيا الديمقراطية بشدة أن توقف ما يسمى بـ«هجرة العقول»، لذلك في أغسطس 1961، أعطت موسكو للشيوعيين من ألمانيا الشرقية الضوء الأخضر لإغلاق الحدود وبناء حاجز مادي. لقد حوّل جدار برلين الوظيفة المعتادة للجدران – إبعاد الناس عما وراءها – إلى العكس؛ كان الغرض من هذا الجدار إبقاء مواطنيه وراءه.
2. كيف كانت الحياة في برلين الشرقية قبل بناء الجدار؟ وما الأحداث التي أدت إلى بنائه؟
وتابع الكاتب: «في عام 1952، أغلقت ألمانيا الشرقية حدودها القارية مع ألمانيا الغربية، على طول نهر إلبه وفي جبال هارتس، بأسلاك شائكة ومناطق نارية (حينها قُطعت جميع النباتات بطول 100 متر على الحدود لتوفير منطقة بعيدة عن النار لأفراد حرس الحدود). ولكن كان هناك تسلل لا يمكن إيقافه إلى وسط جمهورية ألمانيا الديمقراطية، في مدينة برلين التي كانت موزعة على أربع قوى، والتي لا تزال قطاعاتها الغربية الثلاثة محمية من قِبل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا بموجب اتفاقيات ما بعد الحرب التي كانت موسكو غير راغبة في خرقها».
كانت برلين الغربية أيضًا قاعدة للعشرات من وكالات التجسس الغربية، مستغلين موقعها وراء الستار الحديدي (كان أول من استخدم عبارة الستار الحديدي ونستون تشرشل في أربعينيات القرن العشرين، وكانت العبارة تشير إلى سياسة العزلة التي انتهجها الاتحاد السوفيتي بعد الحرب العالمية الثانية، إذ أقام حواجز تجارية ورقابة صارمة عزلت البلاد ودول أوروبا الشرقية التي كانت تسير في فلكه عن بقية العالم).
أصبحت برلين معروفة باسم مدينة الجواسيس والجواسيس المضادين، وعندما هدد زعيم الاتحاد السوفياتي نيكيتا خروتشوف بإنذاره الأخير الشهير في عام 1958 للمدينة المحتلة من أربع قوى – والذي أعطى القوى الغربية ستة أشهر لإخلاء المدينة قبل تسليمها إلى الألمان الشرقيين كجزء من عاصمتها المستحقة – رفض الغرب، وبخاصة الولايات المتحدة، الانصياع لذلك مرة أخرى.
وبحلول عام 1961، كان الرئيس الأمريكي الجديد، جون إف كينيدي، يهدد بالانتقام باستخدام الأسلحة النووية إذا مُسَّت برلين الغربية بسوء.
بذلك، لم تتوفر لألمانيا الشرقية خيارات «إقليمية» لوقف هجرة العقول بحلول عام 1961. ولم تستطع فولكسبوليزي، قوة الشرطة الوطنية للجمهورية الديمقراطية الألمانية، إعادة أي مهاجر مشتبه به من القطارات المتجهة إلى برلين؛ لم تتمكن شتازي، وزارة أمن الدولة، من التحقيق في كل معلومات سرية؛ وكان من الواضح أنه لن يتم التفاوض على إخراج برلين الغربية من الخريطة الجغرافية السياسية.
وكانت الحاجة مُلِّحة إلى حل أكثر بساطة لكنه جذري. ففي مؤتمر صحفي عُقد في يونيو، طمأن زعيم ألمانيا الشرقية والتر أولبريخت الصحفيين بأنه «ليس لدى أحد أي نية لبناء الجدار». وسواء كانت هذه زلة فرويد (لم يسأل المراسل عن أي جدار!) أو حيلة مكيافيلية لتشجيع التدافع للنزوح، فقد حققت التأثير المطلوب. ولإيقاف الهجرة التي كانت تملأ معسكرات العبور الغربية عن آخرها، سمحت موسكو أخيرًا للشيوعيين من ألمانيا الشرقية بإغلاق الحدود في أغسطس 1961 وبناء حاجز مادي.
سياسة
3. مم بُني جدار برلين؟
يحكي الكاتب أنه في عملية سرية للغاية، وبوضع الصمت الإذاعي في الاعتبار، أقامت شرطة وميليشيات ألمانيا الشرقية طوقًا بشريًّا على طول حدود برلين الغربية، وشكَّلت قوات ألمانيا الشرقية طوقًا ثانيًا، وشكَّلت وحدات الجيش السوفياتي طوقًا ثالثًا.
وبعد أن طمأنهم مراقبو شتازي في الخطوط الأمامية في برلين الغربية أن الوجود العسكري الغربي لن يقاوم، انتقلت قوات الحدود من إقامة أسوار سلكية مؤقتة إلى جدار أكثر صلابة تعلوه أسلاك شائكة.
صورت جمهورية ألمانيا الديمقراطية ذلك الجدار بأنه الحدود التي أنقذت السلام، وحتى أعمال التجسس الدرامية مثل فيلم التجسس الألماني الشرقي «فور آيز أونلي (1963)»، والذي حاول إقناع المشاهدين الشرقيين بأن الناتو كان يخطط للقيام بضربة استباقية ضد ألمانيا الشرقية، وقليلون كانوا مقتنعين بذلك.
وعندما زار الرئيس الأمريكي كينيدي الجدار في ذلك العام شعر بصدمة واضحة وغيَّر أجزاءً من خطابه الشهير «Ich bin ein Berliner أو أنا برليني» في اللحظة الأخيرة للتأكيد على نظرة الغرب القاتمة تجاه «جدار العار».
4. كم كان طول جدار برلين؟
يشير الكاتب إلى امتداد المنشآت الحدودية المحيطة ببرلين الغربية لمسافة 163 كيلومترًا، أو ما يزيد قليلًا عن 100 ميل، وتغطية حوالي 100 كم من هذا الجدار الفعلي، خاصةً عند واجهة المدينة الداخلية، فضلًا عن 50 كيلومترًا أو أكثر من شبكات سلكية ثقيلة حول حدود برلين الغربية الخضراء مع ريف براندنبورج.
زُرعت الألغام في الأرض أو عُلقت على أجزاء معينة من السياج، ولم تجرٍ إزالتها حتى الثمانينيات، ويتكون الجزء الباقي من الحدود من جدران المقابر أو واجهات المنازل، ويشمل ذلك النوافذ المشيدة من الطوب على طول شارع بيرناور.
وفي منتصف الستينيات من القرن الماضي، أُجريت تحديثات على الهيكل في الجزء العلوي منه، قبل أن يصبح «الجدار الحدودي 75» النهائي في منتصف السبعينيات.
5. كم عدد القتلى الذين حاولوا عبور الجدار؟
في حديثه عن ضحايا عبور الجدار، ذكر الكاتب أن جدار برلين حصد أرواح ما لا يقل عن 140 شخصًا، ووقع الحادث الأكثر شهرة في 17 أغسطس 1962 عندما خرج مراهقان من شرق برلين إلى المنطقة المحرمة بالقرب من نقطة عبور حدودية يُطلق عليها نقطة تفتيش تشارلي.
نجا أحدهما، لكن الآخر بيتر فيشر البالغ من العمر 18 عامًا أُصيب برصاص في الظهر وسقط أرضًا. وكان من بين القتلى أفراد من قوات الحرس وقد قتلوا بنيران صديقة. ومع ذلك، هرب عدد أكبر بكثير من الذين قتلوا عند جدار برلين. لكن أعداد الذين هربوا تضاءلت من الآلاف في أوائل الستينيات إلى حفنة كل عام بحلول الثمانينيات. ومع ذلك، حتى في عام 1988، كان لا يزال هناك نحو ستة محاولات للهروب كل شهر، وكان أكثر من نصفها ناجحًا.
6. ما معنى «الجرافيتي» المرسومة على جدار برلين؟
انتقل الكاتب إلى جانب آخر، وتناول الرسومات التي كانت على الجدار، فقال: «جذب السطح الأملس لجدار برلين بعض فناني الجرافيتي الذين خاضوا معارك عنيفة مع أفراد حرس الحدود. وكان من بينهم كيث هارينغ الذي كان يرسم بآلة الرش والفرنسي تييري نوير المتخصص في الفنون الجدارية البدائية الملونة».
وقد رأى البعض أن هذه الرسومات تافهة وغير جماليَّة، مما أدى إلى ظهور مجموعة من الحراس الملثمين لطمسها. واستخدم فنانون آخرون فن الخداع البصري للرسم على الجدار، ووقَّع عدد لا يحصى من السياح على الجدار لتأريخ وجودهم أو إعلان حبهم بأقلام لبدية تُستخدم في الكتابة والرسم.
7. كيف كانت الحياة على جانبي الجدار؟
ذكر الكاتب أن: «برلين الغربية المُسيَّجة أصبحت ساحة سيئة ومضنية؛ إذ جذبت المتسللين والطلائع الذين يمكنهم الاستمتاع بمواجهة خطر الحرب الباردة، مثل ديفيد باوي الذي غنى «We Can Be Heroes أو يمكن أن نكون أبطالًا»، وهي أغنية مؤلفة في استوديو تسجيل هانزا المطل على الجدار في حي كروزبرج، حيث كان بوي جارًا لشريكه إيجي بوب واسمه الحقيقي جيمس نويل أورستربيرغ جونيور، مغني روك أمريكي ولد في مدينة موسكيجون بولاية ميتشيجان وصاحب أغنية «Just For One Day – ليوم واحد فقط».
على الجانب الشرقي من الجدار، ظلت الدولة الشيوعية تدعي أنها تعمل بقوة من أجل الصالح العام. وارتفعت مستويات المعيشة بحلول منتصف الستينيات، بعدما استطاعت جمهورية ألمانيا الديمقراطية تثبيت قوتها العاملة.
وأصبح من الممكن لسكان برلين الشرقية لأول مرة استقبال زائريهم من أقاربهم الذين يعيشون في برلين الغربية في عيد الميلاد لعام 1963. وظلت حرية السفر أمرًا شائكًا. فقد تقلصت وجهات قضاء العطلات داخل الكتلة الشرقية في الثمانينيات بعدما أصبحت بولندا ومن بعدها روسيا وجهتين محظورتين.
8. ما الأحداث التي أدت إلى هدم جدار برلين؟
تدهورت الأمور في الثمانينيات، بحسب الكاتب، وكانت أزمة الطاقة على وشك ابتلاع الكتلة الشرقية؛ فقد أصرت روسيا على دفع تكلفة النفط الذي تبيعه بالعملة الصعبة.
شكل ظهور ميخائيل جورباتشوف في عام 1985 تحديًّا للإصلاح السياسي للقيادة المتشددة بقيادة إريش هونيكر، وعندما أعلن كورت هاجر، عضو المكتب السياسي، أنه إذا غيَّر أحد الجيران ورق الجدران في منزله، فلا يلزم أي أحد أن يحذو حذوه، أصبح من الواضح كيف أصبحت قيادة الحزب في جزيرة منعزلة عن الواقع.
واستدرك الكاتب: «لكن الذي أدى إلى تفكك جمهورية ألمانيا الديمقراطية بسرعة كان تفكيك الستار الحديدي على الحدود بين المجر والنمسا في أواخر ربيع عام 1989. وتمثلت الخطورة الأكبر على جمهورية ألمانيا الديمقراطية في الداعين إلى «البقاء هنا» وتغيير حالة العمال والفلاحين من الداخل. وحدثت أزمة في 9 أكتوبر 1989، عندما امتنعت قوات الأمن في مدينة لايبزيج عن مواجهة مادية مع 70 ألف متظاهر».
وكان الألمان الشرقيون قد تخلوا عن الخوف؛ إذ تعطلت الاحتفالات بالذكرى الأربعين لتأسيس جمهورية ألمانيا الديمقراطية في ذلك الشهر بسبب المظاهرات الجماهيرية المضادة التي لا ترغب في رؤية ازدهار الدولة بل نهاية اشتراكيتها.
وفي 9 نوفمبر 1989، تطورت الاضطرابات إلى مهازل، وكان النظام الحاكم لألمانيا الشرقية الذي لا يرحم على وشك الوقوع في أحد أعظم مواقف سوء الفهم في التاريخ، حين استقالت اللجنة المركزية للحزب، التي ضاقت ذرعًا بالمظاهرات الجماهيرية، بشكل جماعي في ذلك اليوم.
لكنها حاولت تقديم إجراء أخير للحد من التدهور والسماح للمواطنين بالتقدم للحصول على جوازات سفر للسفر إلى الغرب للمرة الأولى منذ 28 عامًا، ولكن ما صُمِّم على أنه تكتيك للتعطيل وتقييد المواطنين بإجراءات البيروقراطية العقيمة، تحوَّل إلى دافع للخروج.
وفي مؤتمر صحفي، صرَّح المتحدث باسم الحزب، جونتر شابوفسكي، أنه أصبح مسموحًا لسكان جمهورية ألمانيا الديمقراطية بالسفر عبر الحدود الغربية للدولة، وفي إجابة على سؤال أحد الصحفيين قال: إن هذا القرار فاعل فورًا ودون تأخير. وبحلول منتصف الليل، كان عشرات الآلاف من سكان برلين الشرقية قد احتشدوا عند نقاط التفتيش الحدودية، وهنا أدرك حراس شتازي أن اللعبة قد انتهت. وسقط جدار برلين.
9. كيف يبدو ما تبقى من جدار برلين اليوم؟
أشار الكاتب إلى أن الجدار اختفى بسرعة غير لائقة؛ فقد جرى تفكيكه على يد قوات الحدود التي بنته وبمساعدة معدات رفع ثقيلة تابعة لفيلق المهندسين الملكيين المقيم في برلين الغربية.
واليوم، يمكن للزائرين مشاهدة مقطع طويل من الجدار الشرقي في معرض الجانب الشرقي، حيث دُعي الفنانون الدوليون في عام 1990 لتزيينه بمجموعة من اللوحات الجدارية. ويقع القسم الأكثر أصالة في شارع بيرناور؛ حيث يقع النصب التذكاري الرسمي للجدار.
ويمكن أيضًا زيارة نقطة تفتيش تشارلي المليئة بتذكارات الهروب. ومع ذلك، وكما هو الحال مع معظم آثار الحرب الباردة، ليس كل شيء على حقيقته كما يبدو.
10. ما أهمية جدار برلين اليوم؟
وفي نهاية المقال، يؤكد الكاتب أن جدار برلين كان فريدًا من نوعه تقريبًا؛ فقد صُمم لإبقاء الناس وراءه. وعلى العكس من ذلك، فإن ما يسمى بـ«جدران السلام» التي بنيت في بلفاست بعد عام 1969 صممت للحفاظ على الفرقة بين المجتمعات الطائفية خوفًا من أعمال الشغب.
وبُني الجدار العازل الإسرائيلي لمنع التهديد الإرهابي والجدار المكسيكي لدونالد ترامب (أم أنه سياج؟) من المفترض أن يمنع المهاجرين الاقتصاديين غير الشرعيين من الحدود الجنوبية.
ويختم الكاتب: «مع ذلك، فإن الجدران التي تحافظ على سكانها، سرعان ما تتعارض مع حقوق الإنسان المقدسة في الأمم المتحدة، ومن ذلك حرية التنقل والحركة بلا شك، إن تاريخ جدار برلين يوضح أن الجدران لا تفيد».
هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».