زلزالُ العام 1956: عشرُ دقائقَ هزَّت لبنان..!

صدى وادي التيم-لبنانيات/

أمّا وقد هزَّت الزَّلازلُ الّتي ضربت شمالَ سورية وجنوبَ تركيا و لبنانَ، وحضرت بقوّةٍ المشاهدُ المؤثِّرة الّتي يتابعُها اللُّبنانيُّون الَّذين سمعوا “دبيبَ” الهزَّات وعاشوا لحظاتٍ، ولو قليلةً، من ارتجاجاتِ التّداعياتِ التي خلّفتها الهزّاتُ، فإنّ استعادةً مؤلمةً للزّلزال الّذي ضرب لبنانَ في العام 1956، باتت حاضرةً في أذهان العديد من المواطنين.

كثيرون من الّذين عاشوا تلك الحقبة، وهم بمجملهم من فئةٍ عمريّةٍ تتجاوز الخامسةَ والسّبعين، نقلوا لأبنائهم وأحفادهم، صُوَر الآلام الّتي عاشوها، وحكايا التّشرُّد والإهمال الّتي ما زال يردِّدُها جيلٌ من الشّباب، وما زاد من القلقِ لدى اللّبنانيّين ، ارتفاعُ منسوبِ الشّائعاتِ العشوائيّةِ والمنظَّمة و”الاجتهادات” التّلفزيونيّة الّتي راحَ اللّبنانيّون ينتظرون سماعَها، جرّاء الهلعِ الّذي يعتريهم!.

ماذا حصل يومَ الجمعة في السّادسِ عشرَ من آذار عام 1956؟.

ما بين التّاسعةِ وخمسٍ وثلاثين دقيقةً.. والعاشرةِ وخمسٍ وأربعين دقيقةً، ضربت لبنانَ، قبل سبعةٍ وستّين عامًا، ثلاثُ هزاتٍ أرضيّةٍ (5.3 على مقياس ريختر)، طالت مساحاتٍ واسعةً من جغرافيّة لبنانَ، وأصابت عشراتِ القرى والبلداتِ في مختلف الأقضية، يومَها تسبَّبت الهزَّاتُ التي حملت تسميةَ “زلزال الـ 56”.

كان الزّمانُ في السّادس عشرَ من شهر آذار ، وطال هذا الزّلزالُ مناطقَ ساحليّةً واسعةً من فلسطينَ المحتلّة وسورية. أمّا في الدّاخل اللّبنانيّ، فقط نالت قرى شوفية وجزينية وجنوبية في الجزء الأكبر، من حيث دُمِّرَت قرى وبلداتٍ بشكلٍ شبه كاملٍ، خصوصًا في شحيم، البلدة التي ارتبط اسمُها بـ”شق العجوز”، وهو ممرٌّ لفالقٍ زلزاليّ يقع في نطاقها، حتّى أنّ الزّلزال بقي يُسمَّى “زلزال شحيم”، إضافةً إلى بلدات عازور وروم وقيتولي وبكاسين في منطقة جزّين، وكفرحتى وجباع في الجنوب، وباتر وجون في الشّوف وصولًا إلى مدينة صيدا التي وُصِفَت الأضرارُ فيها بـ”الكارثة”، فيما وصل تأثيرُ الهزّات إلى العاصمة بيروتَ بتصدُّع المئات من أبنيته.

 

ووَفق التّقارير الصّحافيّةِ الصّادرةِ حينها، التي واكبت الأضرارَ وحجمَها جرّاء الزّلزال، فإنّ الحكومةَ وأجهزتِها تخلّفت كثيرًا عن القيام بالإسعافِ والإنقاذِ والإغاثة، إلّا بعد مرور ساعاتٍ طويلةٍ، قضى النّاجون لياليهم الأولى في العراء، وسط إجماعٍ على وصفِ المشهد العام للزّلزال بـ”الكارثة” التي أصابت عشراتِ آلالاف من اللّبنانيّين، في ناسهم وبيوتهم وممتلكاتهم ومآسيهم. وبعث سكّان بلدات عبرا والصّالحيّة وكفريّا ووادي بعنقودين وبرتي وبقسطا في شرق صيدا، برسالةٍ إلى رئيس الجمهوريّة، وفيها “عيالنا وأطفالنا مشرّدون تحت الأمطار وتحت الصّقيع والرّياح، بيوتنا مهدَّمة، أرواحنا مهدّدة بالخطر”، كذلك بلدة مشغرة في البقاع الغربيّ، استغاثت “نستعطفكم المزيد من الشوادر”، وشَكَت مرجعيون من الأمر نفسه.

ووصفت تقاريرُ صحافيّةٌ مشهدَ الزّلزال الذي “مسَح بلدةَ عازور بالكامل، حيث لم يبقَ من بيتٍ واحدٍ فيها، والطّريق بين مزبود وشحيم أصبح مهدّدًا بالانهيار. الأمر نفسُه في جباع التي انهار فيها أكثرُ من مئتيْ منزلٍ، وفي شحيم كلّ ما فيها خرابٌ، “عيالنا وأولادنا على الأرض”، يقول أحد المشرّدين. وفي وصفٍ لصحافيٍّ شاهَد أضرارَ الزّلزال: “أينما تلتفت ترَ وجوهًا شاحبةً هدّها الرُّعبُ وأفقدَها حيويتها، ولا تطرق سمعَك سوى هذه الاستغاثات”بدنا شوادر”، وفي قرية باتر أرسل الجيش 20 شادرًا لإيواء 300 شخصٍ، ويبقى 700 مواطنٍ في العراء، وفي العاصمة بيروتَ، هلع عارم، بعد أن غادرَ الآلافُ من العائلاتِ منازلَهم، وافترشوا السّاحاتِ العامّة البعيدة عن الأبنية، ومنها حُرج بيروتَ الذي غصَّ بالآلاف من الهاربين من المنازل.

 

الخسائرُ الّتي خلَّفها الزّلزال أودت بحياة قرابة الـ 130 ضحيّةً، وما يزيد عن 200 جريح، أكثر من ثلاثين منهم من بلدة شحيم، مع خسائرَ ماديّةٍ جسيمةٍ، فيما قدَّرت لجنةُ الإغاثة أنّ عددَ القرى المنكوبة بلغ 241 قريةً، وجرى الكشفُ على تصدّعاتٍ في أكثر من 7 آلاف منزل هُدِّمَت أو أصيبت بتصدّعاتٍ وتشريد أكثرَ من 40 ألف مواطنٍ، فيما بلغت الخسائرُ الماديّةُ نحو 25 مليون ليرةٍ لبنانيّةٍ.

 

ويروي عددٌ من المواكبين لأيام الزّلزال…. كيف عاش اللّبنانيّون، وبعد يومين من حصول الزّلزال، برزت أزمةُ خبزٍ في الأسواق، وارتفعت أسعار اللّحوم والمواصلات، كلُّ ذلك كان يحصل في ظلّ “تطنيشٍ حكوميٍّ” على مآسي اللّبنانيّين ونكبتهم. ويقول: دولتنا كانت عاجزةً عن تأمين شوادر للمشردين، وهي اليوم عاجزةٌ عن إطفاءِ حريقٍ في حقلٍ زراعيٍّ.. فكيف بها تعالج مآسٍ بحجم زلزالٍ قد يقع مرةً جديدةً؟

المصدر:محمود الزّيّات – خاصّ الأفضل نيوز

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!