فورة في المواقع الإخبارية اللبنانية بلا قانون يحميها

 

صدى وادي التيم – لبنانيات /

يشهد لبنان طفرة في المواقع الإلكترونية والمنصّات الإخبارية، خصوصاً التي تُعنى بالمواضيع السياسية والاقتصادية والاجتماعية ومواكبة الأحداث اليومية، بتخطيها عتبة الـ1200 موسّعةً أيضاً نشاطاتها حتى في المقار الرسمية التي غالباً ما كانت تحتاج إلى معاملات خاصة للحصول على أذونات للتغطية فيها. وعلى الرغم من أن انتشار المواقع الإلكترونية في لبنان ليس جديداً، فإن هذه الموجة لا تزال تشهد فورة بوجود أرض البلاد الخصبة للأخبار والأحداث، وبالنظر إلى تكلفتها القليلة مقارنة بالتلفزيونات والصحف، وسهولة انتشارها، في ظلّ ظاهرة الأخبار السريعة في الزمن الرقمي، بيد أنّ ذلك يفتح الباب أمام طرح العديد من علامات الاستفهام، خصوصاً في مسائل التراخيص، والقوننة، الرقابة، وحقوق العاملين في هذه المنصات والصفات الرسمية التي يعملون على أساسها.

إذ لا تتمتع المواقع الإلكترونية في لبنان بقانون يحميها وينظمها، وسط خلاف حول المرجع المختص الصالح لإعطاء التراخيص والبطاقات الصحافية، خصوصاً أنّ الإعلام في لبنان منظّم قبل “ولادتها”، أي بموجب قانون الصحافة الصادر عام 1962 وقانون الإعلام المرئي والمسموع لسنة 1994، بينما لا تزال مسودة القانون الجديد في أدراج المجلس النيابي.

وبحسب معلومات “العربي الجديد”، فإنّ معظم المواقع الإلكترونية في لبنان لم تأخذ العلم والخبر من المجلس الوطني للإعلام بانتظار صدور قانون جديد، لكنها في المقابل (خصوصاً المعروفة منها والمهنية) مسجلة إما في السجل التجاري أو في الخارج، وتدفع المتوجبات عليها للدولة من ناحية الضريبة وغيرها.

يقول أكثر من مصدر في قصر بعبدا الجمهوري والسرايا الحكومية ومجلس النواب، لـ”العربي الجديد”، إنّ “هناك مساراً ينبغي السير فيه لإعطاء الأذونات للصحافيين والمراسلين والمصورين للتغطية، وذلك لأسباب أمنية ومهنية وهي مطلوبة بطبيعة الحال، مثل البطاقة الصحافية الصادرة عن جهات رسمية، والبطاقة التابعة للمؤسسة التي يعمل فيها، وهويته، على أن تكون الوسائل معروفة وقانونية ويجرى البحث عنها”، مشيرين إلى أنه “مطلوب فتح الباب أمام المواقع والمنصات الجديدة، إذ لا يمكن حصر التغطيات بالإعلام التقليدي أو الوسائل المعروفة في لبنان قديماً، لكن في الوقت نفسه، يجب حتماً التدقيق أكثر في ظلّ الانتشار الكبير للمواقع والفوضى الحاصلة”.

من جهتها، تقول رئيسة تحرير موقع The Speech ليال بو موسى، لـ”العربي الجديد”، إنّ “الموقع مسجّل خارج لبنان، والالتزام كامل بالقوانين المحلية، وبحفظ حقوق الموظفين، المادية والصحية”، مشيرة إلى أنّ “جميع الصحافيين لديهم بطاقات صحافة، والموقع قبل افتتاحه رسمياً أتمّ كل الإجراءات لناحية الحصول على أذونات للتغطية في المقار الرسمية”. دخل موقع The Speech حديثاً إلى الساحة الإعلامية معرّفاً عن نفسه بأنه “منصة إعلامية مستقلة، تحرص على الشفافية والنزاهة”، وقد ضمّ إلى فريقه عدداً من الصحافيين والباحثين والمصورين والمراسلين والموظفين الثابتين والمستقلين مع بروز تغطياته الميدانية.

وتضيف بو موسى: “لسنا إعلام شائعات أو مجرد صفحة من الصفحات الإلكترونية التي تملأ الساحة اليوم، بل منصة إعلامية تنقل تقارير مكتوبة ومصورة، ونلتزم بالموجبات كلها المترتبة علينا، لكن السبب وراء التسجيل في الخارج هو أنّ المشكلة في لبنان تكمن في حظر المواقع الإلكترونية، وغالباً بعشوائية ولغايات وأهداف معينة، وهذا ما لا يمكن منعه أو ضمان عدم حدوثه”.

بدوره، يقول ناشر ورئيس تحرير Democratia News عبدالله بارودي لـ”العربي الجديد”: “ديمقراطيا تأسّست في بداية العام 2023، باعتبارها مؤسسة رسمية مسجلة في الوزارات والدوائر الرسمية، ثم انطلق عملها فعلياً منصةً إعلاميةً متكاملةً متوفرةً عبر مختلف مواقع التواصل الاجتماعي وإطلاق الموقع الإلكتروني بعدها لمتابعة ومواكبة التطورات والأحداث”. ويشير بارودي إلى أنّ “المؤسسة مسجلة في السجل التجاري، وسلكنا مختلف الطرق القانونية من ناحية الاسم والعنوان والمركز مع دفع كافة الضرائب والمستحقات المتوجبة”، لافتاً إلى أننا “لم نلجأ إلى المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع، باعتبار أن لا دور له ولا صلاحيات بيده ولا علاقة له بالإعلام المكتوب والمواقع الإلكترونية، بانتظار إقرار قانون الإعلام الجديد الذي على أساسه سنلتزم بالشروط والمستندات والبنود التي ينصّ عليها”.

من ناحية ثانية، يقول بارودي إنّ هناك فوضى لناحية إعطاء “العلم والخبر” للمواقع، ما يحتم عدم التأخر في إقرار القانون الجديد لتنظيم الإعلام الإلكتروني، مشيراً إلى أنّه في الوقت الحالي، وفي ظل الإمكانات المالية المحدودة، نعتمد على الموظفين المستقلّين، وبالتالي التعامل يكون على القطعة والمواضيع والتحقيقات، مع منحهم طبعاً حرية العمل في أي وسيلة أخرى.

أطفال لبنانيون نازحون. 30 نوفمبر 2024 (فضل عيتاني/Getty)
موقف
التعليم في لبنان على حافة هاوية

في الإطار، يقول المحامي طوني مخايل لـ”العربي الجديد” إنّ “الوضع الراهن للمواقع والمنصات الإخبارية ينطبق عليه قانون المعاملات الإلكترونية اللبناني لسنة 2018 الذي يكفل حق إنشاء مواقع إلكترونية تهدف إلى الاتصال بالجمهور ونقل الكتابات والصوت والصورة والرسائل، وذلك في حدود مقتضيات احترام الدستور والقوانين والنظام العام”. ويضيف: “أوجب القانون أعلاه، في المادة 74 منه، على من يُمارس نشاطاً محترفاً أونلاين أن ينشر بالوسيلة نفسها اسمه وعنوانه التجاري ومركزه ومكان تسجيله في السجل التجاري ولدى الدائرة الضريبية المختصة، إضافة إلى صفته المهنية. وبالتالي، إن أي موقع أو منصة إلكترونية إخبارية تقدّم نفسها للجمهور بصورة احترافية يوجب عليها الالتزام بالمتطلبات القانونية المتعلقة بالشفافية والمهنية”. ويتابع: “كما يلزمها القانون بأن تتقيّد بأنظمة العمل والضمان الاجتماعي لناحية التصريح عن أجور العاملين لديها لوزارة المالية وتسجيلهم في الضمان الاجتماعي، ليتمكنوا من الاستفادة من التقديمات الاجتماعية والاستشفائية المختلفة وبدلات النقل”. ويوضح أنه “لم تصدر بعد النصوص الجديدة لقانون الإعلام التي من المفترض أن تقارب هذه المسألة عبر تعديل أحكام قانون المطبوعات ليشمل المنصات الرقمية الإخبارية، والاتجاه هو إلى عدم إخضاعها للترخيص، وإنما فقط لموجب التصريح. وبالتالي، تسجل هذه المنصات الإخبارية وسيلةً إعلاميةً، وتخضع لموجب الشفافية في الملكية والتمويل والإدارة، ويمكن حينها للمقار الرسمية منح هذه الوسائل الاعتماد اللازم للتغطية والدخول إليها بهذه الصفة”. وفي حال تعرّض هذه المواقع أو موظفيها للملاحقة القضائية، يوضح مخايل أن “الاجتهاد القضائي المعمول به اليوم يقضي بأن تلاحق المواقع الإلكترونية الإخبارية والعاملون فيها من الصحافيين أمام محكمة المطبوعات في كل ما يتعلق بجرائم النشر، ويجرى العمل اليوم على إلغاء عقوبة الحبس نهائياً في قانون الإعلام الجديد، ويناقش إمكانية تحويل المقاضاة في المسائل المرتبطة بالنشاط الصحافي من نظام الملاحقة الجزائي إلى نظام الملاحقة المدني المبني على العطل والضرر”.

من جهته، يقول رئيس المجلس الوطني للإعلام عبد الهادي محفوظ لـ”العربي الجديد” إنّ “المجلس الوطني هو الذي يعطي العلم والخبر للمواقع الإلكترونية، بانتظار صدور القانون المرئي والمسموع الجديد الذي لا يزال مشروعاً في مجلس النواب”، لافتاً إلى أنّ هناك ما يقارب 1200 موقع إلكتروني في لبنان حاصلة على “العلم والخبر”، علماً أنه كذلك جرى سحب “العلم والخبر” من عدد من المواقع التي كانت تحرض طائفياً أو تنشر أخباراً كاذبة. يلفت محفوظ إلى أنّ “هذه المواقع يجب أن تلتزم بالمعايير التي ينص عليها قانون الإعلام المرئي والمسموع لسنة 1994، لناحية الشفافية والموضوعية والمهنية والابتعاد عن الأخبار الكاذبة، وعدم إثارة النعرات الطائفية، ونسب الخبر إلى مصدر موثوق، وغيرها، فالإعلام الإلكتروني يتجه ليكون الإعلام الأول في البلد، وإعلام اللحظة خطر في الوقت نفسه عند نشر الأكاذيب، من هنا أهمية إقرار القانون الجديد وتطبيقه والابتعاد عن الحمايات السياسية الطوائفية للإعلام واحترام مبدأ الإعلام الحر، وهذا لا يعني التفلت من أي ضوابط قانونية”.

بدوره، يقول المسؤول الإعلامي في مركز الدفاع عن الحريات الإعلامية والثقافية (سكايز) جاد شحرور لـ”العربي الجديد”: “هناك نقاش دائم حول موضوع الصلاحيات والجهة المخولة منح التراخيص أو الأذونات للمواقع الإلكترونية، من دون أن ننسى أن قانون الإعلام المرئي والمسموع صادر عام 1994، أي قبل نشأة وفورة المواقع الإلكترونية، عدا أن الدور الذي أعطيَ للمجلس كان تنسيقياً وليس تقريرياً، وفجأة أصبح الجهة التي تعطي التراخيص، ورأينا كيف أنه خلال جائحة فيروس كورونا، حصل إشكال بين المجلس ووزيرة الإعلام السابقة منال عبد الصمد حول الجهة المخولة إعطاء وإصدار البطاقات الصحافية لتسهيل المرور والتغطية في ظل الإجراءات التي وضعت وقتها”. ويرى شحرور أنّ “المشكلة تكمن في عدم وجود جهة قانونية لضبط إنشاء المواقع الإلكترونية، وهذا لا علاقة له بحرية التعبير، بل بتنظيم المهنة”.

من جهة أخرى، يشير شحرور إلى أنّ “أول حماية للصحافيين يجب أن تبدأ من شروط العقد بين الموظف والمؤسسة، ومن الضروري أن يعي الصحافي حقوقه وكيفية حمايتها، ونحن بصفتنا مؤسسةً نؤمن الدعم القانوني لكل صحافي يلجأ الينا بهذا الخصوص، والأمر نفسه في حال تعرّض للملاحقة القضائية، ومن المهم أن تكون لديه مواد ومنشورات واضحة للعلن ضمن مهام معينة وضمن أي مؤسسة ليلاحق أمام محكمة المطبوعات، فالقانون ممكن أن يجتهد لصالحه هنا، إذا لم يحصل بطبيعة الحال تدخل سياسي في عمل القضاء”.

المصدر: المدن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!